فهرس الكتاب
6-زرع الزرع): من المعاني التي يدل عليها الزرع: أنه نبات كل شيء يُحرث، وطرح البذر في الأرض، والإنبات، يقال: زرعه الله، أي أنبته110)، ومنه قوله تعالى: أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون111)، إذ نسب الله تعالى الحرث إليهم، ونسب الزرع إلى نفسه112).
وهذه المعاني والدلالات معروفة لدى عامة الناس وخاصتهم من الفلاحين والمزارعين وغيرهم، إلا أن الحديث النبوي الشريف سما بهذه الدلالات اللغوية، وأضفى عليها صبغة شرعية، من ذلك ما رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- - أنه قال: [لا يقولن أحدكم: زرعتُ، وليقلْ: حرثتُ، فإن الزارع هو الله] 113). والشاهد في ذلك: أن في ذكر هذا الحديث تعليلًا شرعيًا لاستبدال الفعل حرثت) مكان الفعل زرعت)، وبيان أن الزارع هو الله تعالى؛ لأن إيجاد الحب في السنبل ليس بفعل أحد غير الله تعالى، وإن كان إلقاء البذر من فعل الناس114). ومثل هذا التوجيه في الحديث الشريف يدعونا إلى إبراز القيمة الدلالية لحثه- عليه الصلاة والسلام- على جعل التعبير بحرثتُ) بدلًا عن زرعتُ)؛ وذلك لأن في التعبير بالفعل حرثَ) توسيعًا لمجال الدلالة اللغوية، إذ يُقال: حرث الأرض وفلحها وأكَرَها، ويقال للأكّار: الحرّاث والزرّاع والفلاح115)، كما أن الحرْث الزرع بعينه، وربما سُمي الإصلاح للزرع حرثًا. والأول أعلى116).
وهذه الدلالات تفصح عن تعليل إيثار الحرث على الزرع؛ لأن الحرث من اختصاص العبد، والزرع من اختصاص الله تعالى، ولذا قيل: العبد يحرث، والله يزرع. أما قول القائل: زرع الزارع الأرض، فهو من باب إسناد الفعل إلى السبب مجازًا117).