فهرس الكتاب

الصفحة 18575 من 23694

وخلاصة القول: أنه إذا كانت دلالة الفعل زرعتُ) تقوم على مدلول شرعي، وهو أن الزارع هو الله تعالى، إذ هو موجد الحَبّ في السنبلة دون سواه، وأنه هو الفاعل الحقيقي لذلك، فإنه يتبادر إلى الأذهان أن استخدام كثير من عامة الناس وخاصتهم للتعبير في مقام الحراثة والزراعة بالفعل زرعتُ) بدلًا من الفعل حرثتُ)، يُعد خلافًا شرعيًا، ولحنًا لغويًا مغايرًا للتعبير الذي يود المزارع الإفصاح عنه. من حيث بذل الجهد، ومن حيث مراقبته حتى يستوي على سوقه128). ومن هنا فإنه لا يبالي في تعبيره عن ذلك بقوله: حرثتُ أو زرعتُ. فأرشده الشارع الحكيم إلى حسن التعبير، وتصوير الحدث حسب المدلول الشرعي، وهو أن فاعل الزراعة هو الله تعالى، وذلك لأن اللفظ والمعنى مرتبطان بالحكم الذي يُراد فهمه وتطبيقه؛ لأن الحكم في غالب أمره لا يخاطب الوجدان، وإنما يخاطب العقل الذي هو مناط التفكير، ودعامة الإقناع، ووسيلة الفهم129).

ومثل هذا النهي في الحديث الشريف السابق الذكر لا تقل: زرعتُ، وقل: حرثتُ)، له قيمته الدلالية في خصوصية المعنى، إذ إن النهي الوارد في الحديث نهي إرشاد وأدب، لا نهي حظر وإيجاب130)؛ لأنه قد ورد نسبة الزرع للآدمي، كما في حديث: [ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا...] ، إذ فيه جواز نسبة الزرع إلى الآدمي131). كما أنّ خصوصية المعنى جاءت عن طريق الفروق اللغوية لكل من الحرث والزرع، فدلالة الحرث مختصة ببذر الحب من الطعام في الأرض، بينما دلالة الزرع مختصة بالإنبات ومتابعته إلى أن يبلغ الحصاد132). يضاف إلى ذلك ما اكتسبه الفعل زرعتُ) من معنى خاص، جاء عن طريق النهي الوارد في الحديث السابق، والذي يمثل مظهرًا من مظاهر خصوصية المعنى133)، المتمثل في إضفاء الدلالة الشرعية عليه، بأن الزارع الحقيقي هو الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت