فهرس الكتاب
وخلاصة القول: أنّ الفعل صرف) يغلب على دلالته المعاني التي تعافها النفس، وتأباها العاطفة، فإذا سمعتِ الأذن لفظة انصرف)- على سبيل المثال- تبادر إلى الفهم معاني الإهانة والتوبيخ وعدم المبالاة بحال المخاطب، كذلك الحال مع من يقول: انصرفنا من الصلاة، فكأن هناك صارفًا صرفه، إما نفسه الأمارة بالسوء، وإما شيطانه، وإما تعلق قلبه بالدنيا وملذاتها، وكل ذلك ليس من آداب المصلي. أما الفعل قضى) فإنه قد اكتسب من قوة حروفه المجهورة: القاف والضاد144) قوة في إحكام الشيء وحسن تمامه؛ فإنه يدل دلالة إيحاء، ويثير في النفس جوًا يهيئ لقبول المعنى ويوجه إليه ويوحي به145)، ومثل ذلك مناسب لطبيعة القضاء، والتي تعني في أصل دلالتها: التفصيل والقطع146)، ومن ذلك: التعبير بذلك الفعل في شأن الانتهاء من الصلاة، كما في قوله تعالى: فإذا قُضيتِ الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون147). وإن المتأمل لمادة قضى) ومشتقاتها، يجد أنها قد ذكرت في كتاب الله العزيز اثنتين وعشرين مرة في سور مختلفة148)، كلها تدل على إحكام الشيء وتمام فصله وحسن الانتهاء منه149)، خلافًا لمادة صرف) ومشتقاتها، والتي ذُكرت في كتاب الله العزيز عشرين مرة في سور مختلفة150)، لا تتجاوز فيها الدلالة عن معاني الوعد والوعيد، والإنذار والتهديد. ومن هنا جاء التوجيه في الحديث السابق إلى استخدام التعبير بـ القضاء مكان الانصراف؛ لما لذلك من دلالة لغوية تحمل معاني إنهاء الشيء على وجه التمام، سواء أكان قولًا أم فعلًا، ولما له أيضًا من دلالة شرعية تحمل على حسن الأدب، وجمال المنطق في مجالات الإخبار والإفادة.