فهرس الكتاب

الصفحة 18579 من 23694

وتبرز القيمة الدلالية لهذه الألفاظ من خلال توجيه الشارع الحكيم إلى تغيير لفظتي عبدي وأمتي)، وإحلال ألفاظ محلها تقوم بدلالتها في حالة نسبتها إلى مالكها وسيّدها، وهي غلامي، جاريتي، فتاي، فتاتي). وقد جمعت تلك الألفاظ بين الدلالة اللغوية، والدلالة الشرعية، ومن هنا قال العلماء: يُكره للسيد أن يقول لمملوكه: عبدي وأمتي، بل يقول: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي؛ لأن حقيقة العبودية لله، فنهى عن التطاول في اللفظ، كما نهى عن التطاول في الفعل. أما قول غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي، فليست دالة على المِلك كدلالة عبدي، مع أنها تطلق على الحُر والمملوك، وإنما هي للاختصاص. وأما استعمال الجارية في الحُرّة الصغيرة فمشهور معروف في الجاهلية والإسلام. والظاهر أن المراد: النهي عن استخدام تلك الألفاظ التي تُستعمل على جهة التعاظم، لا الوصف والتعريف169). أما قول القائل: هذا عبد فلان، وهذه أمَة فلان، فهذا جائز، كما قال تعالى:

وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم170)، وقوله- عليه الصلاة والسلام-: [ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة] 171)؛ وذلك لأن الآية والحديث على نسبة غير الموالي إليهم، أما النهي في الحديث السابق، فعلى إضافة المالِكين إياهم إلى أنفسهم، وفي ذلك معنى الاستكبار عليهم172). أما قول القائل: عبدي وأمتي بصيغة الخبر، أو في غيبة العبد والأمَة، فلا بأس به؛ لأن القائل لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك. أما إذا كان بصيغة النداء: يا عبدي، فهذا منهي عنه، وأقل أحوال النهي: الكراهة173). والعلة من النهي: أن فيه إشعارًا بالعبودية؛ ولذلك نهى عنه الشارع الحكيم؛ حماية للتوحيد، وبعدًا عن التشريك حتى في اللفظ، وتحريًا للأسلوب الأفضل والأكمل174).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت