فهرس الكتاب

الصفحة 18580 من 23694

وخلاصة القول: أن النهي النبوي الكريم عن استخدام لفظتي عبدي وأمتي) في حالة إضافتهما إلى ياء المتكلم، جاء عن طريق المدلول الشرعي الذي أشار إليه- عليه الصلاة والسلام- بقوله: [كلك عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله] 175)، إذ يُفهم من هذا التوجيه دلالة المساواة، ودلالة تحقق العبودية لله وحده، مع الإبقاء على أصل مادة عبد)، والتي تدل على معنى عمل) في جميع اللغات السامية، فالعبد في الأصل: هو العامل، وليس سيئًا أن يكون رقيقًا مملوكًا. ومن هنا تحوّل العبد إلى كونه عبدًا لله يطيعه ويتضرع إليه، وعلى هذا غلب عليه الذل بالقياسين، سواء كان عبدًا لسيده، أو عبدًا لخالقه176).

وإنما جاء معنى الذل في حق العبد عن طريق المدلول اللغوي، لأننا نقول: طريق معبّد، أي أنه قد وُطِئ بالأقدام177) فذُلّل بذلك، كما قال طرفة:

تباري عِتاقا ناجيات وأتبعت وظيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ معبَّد178)

وعلى هذا يصح أن يُقال: إن العبد هو: المعبَّد الذي عبَّده الله، فذلله ودبره وصرّفه؛ لأن الخلق كلهم عباد الله، إذ هو ربهم ومليكهم179).

وقد اكتسب هذا اللفظ تطورًا دلاليًا، أكسب لفظة العبد) معنى مستحسنًا، إذ نسمع قول: عُبيد، وعُبادة، وعبْدة، كما أكسب لفظة الأمَة؛ لأن معنى العبد يقع على الأمة، فإذا قال الرجل: قد أعتقتُ عبدي، جاز أن يكون المعتوق عبدته180).

وليست ياء المتكلم في لفظة عبدي) هي محور النهي عن استخدامها في الحديث السابق- على الرغم من شيوع استخدام دلالتها في تخصيص العبادة لله-، بل إن هناك مغزىً لغويًا يعود إلى جمع هذه اللفظة على عِباد وعَبيد، إذ إن المألوف في مقام الإخبار عن الرقيق أو المملوك أن يقول سيده: هؤلاء عبيدي، ولم نسمع من يقول: هؤلاء عبادي، وعلى هذا يقال: إن الملائكة والإنس والجن عباد الله وعبيده، وإن الأرقاء والمماليك عبيد فلان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت