فهرس الكتاب
نزل القرآن ?بلسان عربيّ مبين? [الشعراء 195] في أمّة كان من أَهم ما أتقنته من الفنون فنُّ القول وبلاغةُ اللسان، وذلك ما يسجّله القرآن، فهو ?كتابٌ فًصّلت آياتُه قرآنًا عَرَبيًَّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُون? [فصلت 3] . وعلى الرغم من ذلك فإن القرآن أحدث وقت نزوله لمن نزل فيهم ذهولًا وارتباكًا أدّى بكثير منهم إلى أن يحاروا في وصفه وفي أمر انتمائه إلى ما يعرفون من أجناس القول، ومن ثم فقد كانت الحيرة واقعة أيضًا في وصف الداعي لهذا القرآن والمبلغ له وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمرّة يوصف بأنه ساحر أو يوصف بأنه مسحور، وأُخرى هو شاعر أو كاهن، وتارة مجنون. وهي أوصاف تدلُّ على مَبْلغ ما اعتراهم من حَيرة واختلافِ رأي. وكل هذا سجَّله القرآن عليهم في آيات كثار معروفة.
على أنهم إذا كانوا قد تشبثوا باديَ الرأي بالعناد والمكابرة فلم يُقرُّوا بِصدق القرآن كما لم يقروا بعجزهم عن مثله حين تحداهم فكانوا ?إِذَا تُتْلَى عَلَيهم آيَاتُنا قَالُوا قَد سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا..? ( [5] ) ؛ أقول: فإن القوم ما لبثوا أن أظهروا إحساسهم بجلال القرآن وأقروا بأنه ليس من جنس الكلام الذي يعهدون، وهو ما يسجّله القرآن الكريم عليهم: ?وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّل هَذَا الْقُرْآنُ على رَجل من القريَتيْنِ عَظِيم? [الزخرف 31] .