فهرس الكتاب
ومثل هذا النص يكشف بجلاء إدراك قريش أن هذا القرآن ذو خطر، وأن له امتيازًا من سائر الكلام، ومن ثمّ فقد عَجزت عن تصنيفه. والاحتياز والعجز عن التصنيف معضلتان أحسّ بهما من كان له بالمعضلات علم؛ وهو الوليد، ومن ثمة فقد راح يستبق وقوع المحظور، ويدعو قريشًا إلى أن توجد لهذه المعضلة تفسيرًا مقنعًا، ومن الواضح أن ما قدّموه من حلول كان منقوضًا عند الوليد حلًا بعد آخر، ونقضُه هو ما زاد في حيرة القوم واضطرابهم بدليل أنهم ما لبثوا أن أرسلوا في إثر الوليد، حين تركهم، كي يتأكدوا من موقفه، إذ بدا لهم كأنما هو قد أسلم، ولكنّ الرجل لم يسلم، وراح يُعيد ما كان بدأه من تفنيد ما زعموه مُبطلًا إيّاه ومبيِّنًا أنه لا يقوى دليلًا على التكذيب، فهو وإن كان واحدًا من المكذبين لم يشأ أن يكون التكذيب من دون سند، فوجود السند إن لم يتسنَّ له حقًا أن يدحض النبوة فلا أقل من أن يشكك فيها، فكانت تهمة السحر هي التهمة. وما يهمنا في هذا السياق هو أن الوليد استرعى انتباههم إلى أن القرآن لا يشبه الشعر الذي زعموه. وهم وغيرهم يدركون كيف يكون الشعر.. فهل أتى أحد أيّ أحد من الشعراء بمثل هذا الكلام..؟ فلو قد أتى لاحتملت الشبهة. فأمّا وأن الوليد قد عمد كما رأينا في نص سابق إلى أن يختبر إن كان ثمّة شبهة و تشابه بين القرآن والشعر، فلجأ إلى مقايسة القرآن بظاهر الشعر فظهرت نتيجة مقايسته سالبةً، فمعنى هذا إذًا أن الشبهة زائفة، وإذا فليَبحث لهم عن مخرج مقنع، وما كان ليختار تهمة السحر اعتباطًا من دون تفكير لو لم يشعر حقًا بأن للقرآن تأثيرًا في النفوس يشبه تأثير السحر من حيث إن المرء - وهو هنا الوليد - لا يملك إلا أن ينقاد وإلا أن يتأثر، فإذا ما اختار بعد هذا التأثرِ أن يكابر ويعاند ويذكر صدق الكلام المبلَّغ فهذا أمر لا يناقض أن التأثر واقع.