فهرس الكتاب
وما كان قاله الوليد بن المغيرة عن أقراء الشعر ورد شبيه له على لسان أُنَيْس أخي أبي ذرّ الغفاري، فقد روى أبو ذرّ في حديثه عن سبب إسلامه أنه قال:"قال لي أخي أُنَيْس: إن لي حاجة إلى مكة، فانطلق فراث [أي أبطأ] ، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا يقول إن الله تعالى أرسله، فقلت: فما يقول الناس فيه؟ قال: يقولون شاعر، ساحر، كاهن. قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون" ( [9] ) . وتكمن أهمية هذا الخبر وخبر الوليد الذي ذكر فيه أقراء الشعر في أنهما لم يكتفيا بالنظرة التذوقية، بل عمدا إلى الروز والاختبار والتمحيص والموازنة، وهذه كلّها يمكنها أن تكشف عن مكامن الشبه والاختلاف. وقد غدت الموازنة هذه فيما بعدُ ديدن الدارسين، وكان أن استعملها الجاحظ مثلًا فنبّه على بعض من عناصر اختلاف القرآن عن الشعر فقال فيما يرويه السيوطي عنه:"سمَّى الله كتابه اسمًا مخالفًا لِما سمَّى العربُ كلامهم على الجملة والتفصيل؛ سمَّى جملتَه قرآنًا كما سمَّوا ديوانًا، وبعضَه سورة كقصيدة، وبعضَها آية كالبيت، وآخرَها فاصلة كقافية" ( [10] ) .