فهرس الكتاب
على أنه إذا كان الرأي منعقدًا على أن القرآن ليس بشعر لأن الله قد نفى هذه التسمية عنه، فهل يكون من النثر إذًا..؟ الحق أن القرآن لم ينف عن نفسه أن يكون نثرًا، ربما لأن مفهوم النثر لم يكن موجودًا، ولكنه نفى عن نفسه ضربًا داخلًا في النثر هو سجع الكهان حين أكّد أنه ليس بقَوْل كاهنٍ. بيد أن سجع الكهان خبا وانقرض ولم يعد له في الثقافة العربية مكان يذكر، وصار النثر مفهومًا واسعًا مقابلًا للشعر، وليس له صلة كبيرة بسجع الكهان. وإذًا فلا حرج على النقّاد إن هم عدوا القرآن نثرًا، وهذا ما كان من بعضهم إذ أكد أبو عابد الكرخي فيما ينقله عنه أبو حيان التوحيدي:"أن الكتب القديمة والحديثة النازلة من السماء على ألسنة الرسل بالتأييد الإلهي مع اختلاف اللغات كلها منثورة" ( [11] ) . ويقول المرزوقي (ت 421 هـ) :"جعل الله معجزته من جنس ما كانوا يولعون به وبأشرفه، فتحداهم بالقرآن كلامًا منثورًا لا شعرًا منظومًا" ( [12] ) . ويقول ابن الأثير:"إن الإعجاز لم يتصل بالمنظوم وإنما اتصل بالمثنور" ( [13] ) . لكن هناك من نبه على أن القرآن وإن اعتبر من المنثور، هو من طراز خاص. وهذا ما كان من ابن خلدون حين قال:"والقرآن وإن كان من المنثور إلاّ أنه خارج عن الوصفين؛ فليس يسمَّى مرسلًا مطلقًا ولا مسجعًا، بل تفصيل آيات" ( [14] ) .