فهرس الكتاب
ولكن ثمة مشكلًا آخر قديمًا أثير حول ماهية ارتباط القرآن بقائله وهو الله. وذلك مشكل أثاره المعتزلة حين ذهبوا إلى أن مبدأ التوحيد يتحقق بالاعتقاد بأن الله قديم بذاته. فأمّا صفاته فليست كذلك؛ إذ لا يجوز أن يكون ثمة أكثر من قديم واحد، وعلى هذا راحوا يتأولون الصفات تأوُّلًا عقليًَّا يتفق والتنْزيه الذي رمَوا إليه"فإذا كان الله"عالمًا فهو عالم بتلك الذات الإلهية نفسها، لا بأن تكون صفةُ"العلم"قائمة وحدها ولها من الأزلية ما للذات، قائلين في ذلك إنه لو كانت الصفات مشاركة للذات في القدم لشاركتها في الألوهية، وفي ذلك كثرة وتعدّد لا يستقيم معهما توحيد" ( [26] ) . وهكذا وقفوا عند صفة"الكلام"فرأوا أنها ليست صفة أزلية لله، بل إن كلام الله هو"عبارة عن أصوات وحروف يخلقها الله في غيره فتصل إلى النبي عن طريق ملك ونحوه" ( [27] ) . ثم إنهم قالوا: إن"القرآن نوع من الكلام الذي يخلقه الله، وإنما سمي كلام الله لأنه خَلْق الله من غير واسطة، وهذا هو الفرق بينه وبين كلامنا". وقد استدل المعتزلة على رأيهم في خلق القرآن بجملة أدلة منها مثلًا قوله تعالى: ?الله نَزّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابًا مُتَشابهًا? [الزمر ـ 23] . وقوله تعالى: ?ومَنْ أَصْدَق من الله حَديثًا? [النساء ـ 87] . فهم يقولون إنه تعالى وَصَفَ القرآن بأنه حديث، والحديث لابد أن يكون حادثًا ( [28] ) . ومن ثَم فهو مخلوق. وفي القرآن من هذا المعنى كثير، كقوله تعالى: ?ما يَأْتِيَهم من ذكْرِ ربِّهم مُحْدَث إلاَّ استَمْعَوهُ وهم يَلْعبون? [الأنبياء ـ 2] ."