فهرس الكتاب

الصفحة 18619 من 23694

ويبدو أن قول المعتزلة"بخلق القرآن"هو ما أدى بالنظّام (ت 231هـ) إلى القول بـ"الصّرفة"تفسيرًا لعلَّة عجز العرب عن معارضته؛ فأنْ يكون القرآن مخلوقًا فهذا يَلزم عنه ألاَّ يختلف كثيرًا في نظمه وتأليفه عن كلام البشر، وألا يختلف عن كلامهم فهذا معناه أن في مقدورهم أن يأتوا بمثله لولا أن الله صَرَفهم عنه، فهو إذًا إنما كان معجزًا بهذا الصرف. وهكذا قرر النظّام أن"النظم... مقدور عليه لولا أن الله منع منه" ( [29] ) . ولكن النظَّام لم ينفِ أن القرآن حجة للنبي ? فهو إن كان زعم"أن نظم القرآن وتأليفه ليسا بحجة للنبي ? وأن الخلق يقدرون على مثله"فإنه أقر بأنَّ الحجة في القرآن تكمن في وجه آخر هو"مافيه من الإخبار عن الغيوب" ( [30] ) . أي أن الإعجاز ليس إعجازًا لغويًّا.

ويبدو أن النظام والمعتزلة عامة لمَّا انتهوا إلى أن القرآن مخلوق هان عليهم أن يتخفّفوا من الحذر في إطلاق مقولة أن النظم مقدور عليه من قبل الخلق، ولئن لم يُتَحْ لهم مثله فليس لعجز ذاتيّ فيهم، بل لأن الله سلبهم القدرة عليه، ولو قد أتيح لهم المجال لكانوا أتوا بمثل القرآن.

وقد تابع النظَّامَ في القول بـ"الصِّرفة"غيرُ واحد من المعتزلة ( [31] ) ، ومن غير المعتزلة أيضًا ( [32] ) ، لا بل إن بعضهم قد اجترأ فمضى إلى أبعد مما قاله النظّام، وهو عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى المردار (ت 226هـ) فقال:"إن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وبما هو أفصح منه" ( [33] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت