فهرس الكتاب

الصفحة 18620 من 23694

والحق أن قول النظام بـ"الصرفة"كان سببًا مهمًّا في إثارة الأذهان للتفكير في مصادر إعجاز القرآن وأسراره، وإذا كان النظام قد جعل الإعجاز في"الصرفة"نفسها فإن هناك تفسيرات أخرى للصرفة وردت عند بعض المعتزلة: منها مثلًا ما ارتآه الجاحظ من أن الصرفة إنما هي باب من أبواب التدبير الإلهيّ. ولكي يشرح ذلك لجأ إلى التمثيل فقال:"ولو أن رجلًا عَلِمَ يقينًا أنه لا يخرج من بيته يومَه ذلك، كان محالًا أن تدعُوَه نفسُه إلى الخروج، مع علمه بأنه لا يفعل" ( [34] ) ، فعلى هذا النحو أدرك العرب أنهم عاجزون عن مضاهاة القرآن فلم يكن ذلك منهم، وإنما كان العجز تدبيرًا إلهيًّا كيلا تكون المضاهاة لو حصلت سببًا في تشكيك الناس، يقول:"ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن تحدّاهم الرسول بنظمه. ولذلك لم نجد أحدًا طمع فيه. ولو طمع فيه لتكلّفه، ولو تكلف بعضُهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب وأشباه الأعراب، والنساء وأشباه النساء، ولألقى ذلك للمسلمين عملًا، ولطلبوا المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثر القيل والقال". ( [35] ) ويرى الجاحظ أن المعارضة لو حصلت فربما كان لها أن تثير بعض التشكيك، وهنا يستدل بما صنعه مسيلمة حين زعم أنه يُوحى إليه فراح يعارض بعض آيات القرآن. ويعقب الجاحظ على ذلك بقوله:"فقد رأيت أصحاب مسيلمة... إنما تعلقوا بما ألف لهم مسيلمة من ذلك الكلام الذي يعلم كل من سمعه أنه إنما عدا على القرآن فسلبه، وأخذ بعضه، وتعاطى أن يقارنه. فكان لله في ذلك التدبيرُ الذي لا يَبلغه العباد ولو اجتمعوا له" ( [36] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت