فهرس الكتاب
وإذا كان النظّام والجاحظ على اختلاف ما بينهما قد نسبا أمر الصرفة إلى الله تعالى فإن القاضي عبد الجبار لم يعلّقها بقوة خارجية، بل هي عنده متعلقة بالنَاس أنفسهم فهم لم يكونوا ممنوعين مصروفين بقوة خارجية، لأنه لو ثبت ذلك لكان الصرف هو المعجزَ لا القرآنُ، بيد أنهم أدركوا أمام روعة القرآن أنهم عاجزون عن مضاهاته فانصرفت همتهم عن المعارضة. وهكذا يؤكد عبد الجبار:"أن دواعيهم انصرفت عن المعارضة لعلمهم بأنها غير ممكنة،.... ولولا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعًا لمعرفتهم بأنها متعذرة عليهم" ( [39] ) . ولعل مما يؤكد كلام عبد الجبار هذا الخبر النادر الذي رواه ابن رشيق ومفاده أن قريشًا"لمَّا أرادات معارضة القرآن، عكف فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك على لباب البُرِّ، وسلاف الخمر، ولحوم الضأن، والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم. فلمّا سمعوا قول الله عز وجل: ?وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي ماءَكِ ويا سَمَاءُ أَقْلِعِي وغِيْضَ المَاءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَت عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا للقَوْمِ الظَّالمين? [هود ـ 44] . يئسوا مما طمعوا فيه وعَلموا أنه ليس من كلام مخلوق" ( [40] ) ، فمثل هذا الخبر يشير إلى أن قريشًا عَقَدَت العزم على معارضة القرآن ، بل راحت تُعِدُّ لها علّها تقدر عليها، ولكنها عندما سمعت الآية القرآنية تلك يئست من نجاحها، وكأن هذا الخبر يشير أيضًا، فَضلًا عما رأيناه فيه، إلى أمر كان الباقلاني قال به وهو:"أن إعجاز القرآن هو في بعض القرآن أظهر، وفي بعضه أدقُّ وأغمض" ( [41] ) ، ومن ثمة فقد كانت الآية المذكورة هي الفيصل الذي أقنطهم وأوقعهم في قاع اليأس.