فهرس الكتاب

الصفحة 18623 من 23694

ثم يعرض عبد الجبار، وهو في خضم نقاشه أمر الصرفة، لسؤال قد يرد في الأذهان ومُفاده أنه:"إن قال قائل: لو كانوا يقدرون على المعارضة، وانصرفت هممهم ودواعيهم، أكان يكون دلالة على النبوة؟ قيل: لو صح ذلك لكان يدل على نبوته ?؛ لأن العادة لم تجر بانصراف دواعي الجمع العظيم عن الأمر الممكن، مع التقريع والتحدي والتنافس الشديد ( [42] ) ". ويبدو جليًا أن تفسير عبد الجبار للصرفة قد فرَّغها من المضمون الذي حمَّلها إياه النظّام، فكأن هذه الصرفة غدت في مفهومها الأخير من باب تحصيل الحاصل.

ولكن عبد الجبار لا يتخلى مع ذلك عن سمته الاعتزاليّ، فهو يردّ على من ينتقص من القرآن بأن ينسبه إلى محمَّد ?، ويجعلَه من وضعه بالقول:"إن مجرد ثبوت خروج القرآن عن مقدور البشر كما قد مضى هو في ذاته دليل الإعجاز مهما كان مصدره؛ فالحال أنْ"لا فرق أن يكون القرآن من قِبَل الرسول عليه السلام، أو من قبل الله تعالى في كونه معجزًا؛ لأنه إن خصه تعالى بقدْر من العلم لم تجر العادة بمثله في أهل الفصاحة، حتى أمكنه إيراد ماله هذه الرتبة فهو معجز، كما أن فعله تعالى كذلك مع ما فيه من انتقاض العادة معجز، وكذلك فتمكين الملك من إلقاء ذلك معجز، لو كان من فعل الملك أو غيره، كما أنه تعالى لو أعلم ما يجري مجرى الغيوب لكان أيضًا معجزًا. فالحال في كل ذلك لا يختلف. وقد قال شيخنا أبو هاشم [الجبّائي] في القرآن: إنه، وإن خُلق قبل ميلاده ?، فهو دلالة نبوته" ( [43] ) . وواضح أن المعتزلة ـ وقد عطَّلوا الصفات عن الله ونفوا عنه صفة الكلام ـ لم يجدوا حرجًا في القول بأن القرآن كلام الله أحدثه، أي خلقه في بعض الأجسام المخصوصة، وهي: اللوح المحفوظ، وجبريل، والرسول? ( [44] ) . وقد ابتدأ الله خلق القرآن في اللوح المحفوظ أولًا، ثم نقله جبريل من ثم إلى الرسول."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت