فهرس الكتاب

الصفحة 18626 من 23694

وأمَّا مكمن اللبس فهو في قوله:"والنازل على الحقيقة قول جبريل عليه السلام"، وفي قوله:"إن النظم العربي الذي هو قراءة كلام الله تعالى قول جبريل"؛ إذ يمكن أن يوهم هذا القول بأن القرآن المكتوب في اللوح المحفوظ لم يكن بالنظم العربيّ، ولكن الله لما أراد أن ينزل باللسان العربيّ علّم جبريل النظم العربيّ فقرأه به، وبلغة المعتزلة أَقْدَره على أن يترجم كلام الله الحقيقي إلى نظم عربي. لكن هذا الفهم ينبغي أن يُستبعد بما قاله الباقلاني نفسه من"أن كلام الله تعالى مكتوب في المصاحف على الحقيقة... على الوجه الذي هو مكتوب في اللوحِ المحفوظ". وأما أن الآية تقول: إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين"، وتعني بالرسول جبريل فإن نسبة القول إليه ليست إلا على أنه ناقل، فالمفسرون يقولون في هذه الآية: إنه لقول مرسِلِ رسولٍ كريم ( [56] ) ، وكذا الشأن في الآية الأخرى، ولا يمكن أن يكون التأويل إلا على هذا النحو، أي على أن ثمة حذفًا في الآيتين، فالقول هو قول الله تعالى من دون شك، ونسبته إلى جبريل أو إلى النبي نسبة مجازية، ولو لم تكن مجازية لاقتضى ذلك وجود قائلين للقرآن: جبريل والنبي، فثبت أن القائل الحقيقيّ هو الله تعالى."

وبالجملة فيمكن القول إن الأشاعرة وسائر أهل السنة والجماعة يعتقدون اعتقادًا جازمًا بأن القرآن هو كلام الله على الحقيقة لا المجاز نزل به جبريل على قلب النبي ? فأدَّاه بلفظه كما أنزل عليه ( [57] ) ، ومن ثم فقد كان لفظه مقدّسًا يُتَعبَّد بتلاوته. وقد كان هذا الاعتقاد ماثلًا في أذهان القدماء حين راحوا يَمِيزون بين كلام الخالق وكلام المخلوقين، فالخالق لمَّا كان متّصفًا بالكمال وبالجمال فإن كلامه لابد أن تكون له الصفات نفسها، في حين أن كلام الخلق يعتريه ما يعتريهم من نقص وضعف وتغير والتواء. ومهما يكن فيه من كمال وجمال، فإن ذلك لا يعدو أن يكون نسبيًّا ومقيّدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت