فهرس الكتاب

الصفحة 18627 من 23694

وهكذا كان القرآن هو المثال اللغويّ الذي يتأثره الأدباء، وهو المعيار الذي إليه يحتكمون حين يختلف الناس في الأساليب. ومن هذا القبيل مثلًا احتكام عبيد الله بن قيس الرُّقيَات إلى القرآن حين أنشد عبد الملك بن مروان قصيدته التي يقول فيها:

إن الحوادث بالمدينة قد

وجَبَبْنَني جَبَّ السَّنام فلم ... يتركْنَ ريشًا في مناكبِبَيهْ

"فقال له عبد الملك: أحسنت لولا أنك خنثت في قوافيه، فقال: ما عدوت كتاب الله: (ما أَغْنَى عنِّي ماليَهْ. هَلَكَ عنِّي سُلطانِيَه) " ( [58] ) . ومثل هذا الاحتجاج يشير إلى تأثر الشاعر بأساليب القرآن تأثرًا مقصودًا؛ إذ إن الشاعر يريد أن يتحسر على نحو ما في الآيات من تحسر. ... فَعَلَ الذي نَهواهُ أوْ لم يَفْعَلِ ( [79] )

وإذا كان ابن قيس الرقيات قد رام أن يتأثر أسلوب القرآن فإن من القدماء من دفعه تنزيهه لكلام الله عن أي محاولة للتقريب بينه وبين غيره من الكلام كأن يقارَن مثلًا بالشعر أو يقارن الشعر به، وقد كان الأصمعي من هؤلاء وكان شديد التأله"لا يفسِّر شعرًا يوافق تفسيره شيئًا من القرآن" ( [59] ) . ولعل مرد هذا إلى اعتقاده بأن من شأن ذلك التفسير أن يكون ذريعة إلى القول بوجود شبه بين القرآن والشعر، فيقع في المحظور من حيث لم يُرِد ذلك، ولاسيما أن الأصمعي عاش في عصر بدأت فيه بوادر انحراف كقول الجعد بن درهم بخلق القرآن وقوله إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا ( [60] ) . ولعل الأصمعي، بامتناعه عن تفسير أي شعر يوافق تفسيره شيئًا من القرآن، يصدر عن تنزيه للقرآن بحيث يظل له مكانه الذي يقصر دونه كل مكان.

ويكمن أن يسلك ابن حزم مع الأصمعي في هذا الأمر، فهو أيضًا قد دعا، وإن على نحو آخر، إلى ألا يقايس القرآن بشيء من كلام المخلوقين ولو كانت المقايسة في درجات الجودة، إذ مادام أن القرآن ليس من جنس كلام المخلوقين؛ فالمقايسة في رأيه باطلة ( [61] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت