فهرس الكتاب
وهكذا كان راسخًا في تاريخ الفكر الإسلاميّ النظرُ إلى القرآن باعتباره كلامًا فارق كلام المخلوقين من حيث إنه صادر عن خالق الخلق ولا يُتَصوَّر لكلامه إلا أن يكون كاملًا ( [90] ) . وكان من مظاهر إجلال النقاد والبلاغيين القدماء لهذا القرآن أنه كان دافعًا لهم لكي يصححوا قواعد بلاغية كانوا قرّروها حتى إذا ما تبيّن لهم أن القرآن ورد بخلافها تركوها إلى اعتماد مافي القرآن. ومن هذا القبيل ماكان من ابن الأثير بعد أن قرر قاعدة ثم وجد القرآن يرد بخلافها فقال:"غير أن القرآن أحق أن يتبع وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره، والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره" ( [91] ) . ومثل هذا قوله تعقيبًا على مثال آخر:"وقد كان هذا هو المذهب عندي حتى وجدت كتاب الله تعالى قد ورد بخلافه، وحينئذٍ عدت عمَّا كنت أراه وأقول به". ( [92] )
الامتياز في المستوى الموسيقي
ولئن كان للشعر العربي موسيقا واضحة وأوزان محددة يروزها علم العروض ولئن كانت هذه الأوزان هي على ما قال أبو عثمان الجاحظ الأمر المعجز لذلك الشعر فإن القرآن الكريم حاز الإعجاز وإن لم يستعمل موسيقا الشعر وأوزانه. وعلى الرغم من أن قريشًا نسبت القرآن إلى الشعر فيما نسبت فإن النسبة ماكانت لتَثْبُت للامتحان؛ إذ إن اثنين على الأقل ممن عاصروا نزول القرآن وهما الوليد بن المغيرة، وأنيس الغفاري نَفَيَا أن يكون القرآن يطابق أقراء الشعر.
بيد أن قريشًا حين نسبت القرآن إلى الشعر لم تكن لتنطلق من فراغ، بل أحسّت بأن لهذا القرآن إيقاعًا واضحًا يقارب في وضوحه إيقاع الشعر، ومن ثم خُيّل إليها أن من الممكن أن يسمّى شعرًا فيَبْطُل بذلك كونه قرآنًا منزلًا، فيه من المضمون مالا يعرفه الشعر. أقول: كان ذلك أمنية عزيزة جهدوا لتحقيقها لولا أن الوليد بن المغيرة أقنطهم منها وسدَّ عليهم بابًا ظنُّوه مفتوحًا.