فهرس الكتاب
لكن القضية الأكثر أهمية في أمر الدلالة هي أن القرآن عمد إلى ألفاظ كانت معروفة بدلالات معينة فمنحها دلالات جديدة لم يكن للناس بها عهد من قبلُ. وتلك هي ما أطلق عليه فيما بعد الألفاظ الإسلامية وعلى رأسها ألفاظ الإسلام والإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج وما إليها مما قام عليه الإسلام واستقام. فهذه ونحوها ألفاظ يعرفها الجاهليون، ولكنهم لا يعرفون منها إلا المعنى اللغويّ الأصليّ. وأمّا الدلالات الجديدة فليس للناس بها عهد، ولكنها في الحق لم تكن دلالات منبتة الصلة عن أصلها اللغوي بل هي امتداد له، وهذا أمر بديهيّ، وذلك أن القرآن لمّا كان كتاب هداية للناس كان لابد أن يكون مفهومًا، وإنما يكون مفهومًا إذا ما استعمل كلام القوم الذين نزل فيهم، وهو أمر نبه عليه ابن خلدون فقال:"اعلم أن القرآن نزل بلغة العرب، وعلى أساليب بلاغتهم فكانوا كلُّهم يفهمونه ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه" (2) . وهذا القول صحيح في مجمله، وهو ينطبق على أهل العصر الذي نزل فيه القرآن أكثر مما ينطبق على من تلاهم. ولكنّ للفهم والعلم في كل العصور مستويات ودرجات لا يتفق فيها الناس جميعًا. ولعل في هذا تقييدًا لصيغة التوكيد"كلهم"في عبارة ابن خلدون. وقد مر بنا ما يشير إلى أن قريشًا نفسها تفاوتت فيما بينها تذوقًا للكلام وإدراكًا له.. وإلا فلم رأى الوليد بن المغيرة في القرآن نحوًا غير ما رأوه..؟.. وإذا فالفهم مستويات وذلك لا مجال فيه لخلاف.
وما يعنينا ههنا هو أن نبيّن طبيعة العلاقة بين لغة القرآن ولغة العرب كيف تبدّت من حيث المستوى الدلالي..؟.. إن كلام ابن خلدون الآنف كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل وهو ما نجده عند ابن قتيبة الذي سعى إلى بيان هذه العلاقة في تقاطعاتها في كتاب خصصه لهذا الشأن هو"تأويل مشكل القرآن".