فهرس الكتاب

الصفحة 18654 من 23694

وقد ابتدأ ابن قتيبة كتابه ببيان حال العرب في مباني ألفاظها وإعرابها وألوان فروقها بين معاني الألفاظ، وتحدث عن مكانة الشعر عندها وهو"الذي أقامه الله مقام الكتابة لغيرها وجعله لعلومها مستودعًا ولآدابها حافظًا، ولأنسابها مقيّدًا ولأخبارها ديوانًا لا يرث على الدهر ولا يبيد على مر الزمان" (3) . إلى أن قال مقاربًا بين لغة الخطاب القرآني وغيره من أنواع الخطاب:"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومآخذه. ففيها: الاستعارة، والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع مخاطبة الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ... وبكل هذه المذاهب نزل القرآن" (4) .

ويلحظ المرء عند ابن قتيبة إشارة مهمة إلى صعوبة فصل الشكل عن المضمون أو اللفظ عن المعنى في لغة العرب عامّة ولغة القرآن خاصّة، ومرد ذلك إلى اتساع المجاز في الخطابين، فهو يقول عقب كلامه الآنف:"ولذلك [أي لأن القرآن نزل بلغة العرب] لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شيء من الألسنة كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى؛ لأن العجم لم تتسع في المجاز اتساع العرب" (5) . وحديث الترجمة هذا لابد أن يذكرنا بكلام الجاحظ حين جعل الوزن في الشعر العربي هو سر الإعجاز في ترجمته (6) ، على حين أن ابن قتيبة يرى أن المجاز هو السر في صعوبة الترجمة. ولعل ما وجّه ابن قتيبة إلى هذا أنه في صدد حديث عن القرآن فصعوبة ترجمة القرآن ليس مردها إلى الوزن بل مردها إلى تضمنه المجازات، وقد كان مفهوم المجاز في عصر ابن قتيبة واسعًا يضم تحته كثيرًا من ضروب التصرف في اللغة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت