فهرس الكتاب
ولكي يوضح ابن قتيبة فكرته عن صعوبة ترجمة القرآن باللفظ والمعنى يأتي ببعض الشواهد من مثل قول الله تعالى:"فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددًا" [الكهف 11] ، فيقول:"إن أردت أن تنقله بلفظه لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت: أنمناهم سنين عددًا، لكنت مترجمًا للمعنى دون اللفظ.وكذلك قوله:"والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا" [القرآن 73] إن تَرْجمتَه بمثل لفظه استغلق، وإن قلت: لم يتغافلوا أديت المعنى بلفظ آخر" (7) ؛ أي أن ثمة اتحادًا بين اللفظ والمعنى في العبارة المجازية، وبسببه لا يمكن أن تترجم العبارة ترجمة أمينة ودقيقة. وظاهر كلام ابن قتيبة أن هذه الخاصية تنطبق على كل عبارة مجازية مما هو شائع وكثير في كلام العرب وليس مختصًّا بالقرآن. والناظر في القرآن لابد من أن يعتبر كلام العرب كي يتسنى له فهمه على أصح الوجوه. وهذا ما سعى ابن قتيبة إلى توكيده من خلال رده على الطاعنين في القرآن الذين كان أكثر طعنهم جهلًا منهم بأساليب العرب أو تجاهلًا. وهكذا كان ابن قتيبة لهؤلاء بالمرصاد.
على أن قضية استعمال القرآن المجاز قضية لم تَخْلُ في تاريخ الفكر الإسلامي من إشكالات واختلافات؛ فذهب قوم من القدماء إلى إنكار وجود المجاز في القرآن (8) على اعتبار أن ما فيه إنما هو حقيقة منزّهة عن المجاز. ولكن الرأي الذي عليه أغلب الجمهور أن في القرآن مجازًا كما في اللغة، وهو ما قرره ابن السيّد البطليوسي ت 521هـ) في قوله:"قد ذهب قوم إلى إبطال المجاز، وذهب آخرون إلى إثباته، وإنما كلامنا فيه على مذهب من أثبته لأنه الصحيح الذي لا يجوز غيره لقوله تعالى:"وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه" (9) . أجل فإن في القرآن من المجاز ما في اللغة، بيد أن المجاز فيه موظف في براعة لا يشوبها شوب غلوٍّ أو مجانفة للحق بل هو لإبراز المعنى في خير صورة."