فهرس الكتاب
وقد ردّ ابن قتيبة على الطاعنين في القرآن بوجود المجاز فيه، وزعمهم أن المجاز كذب؛ إذ"إن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل" (10) ؛ فقال إن"هذا من أشنع جهالاتهم وأدلها على سوء نظرهم وقلة إفهامهم، ولو كان المجاز كذبًا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلًا، كان أكثر كلامنا فاسدًا؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل ورخُصَ السعر...". ثم يقول"ولو قلنا للمنكر لقوله جدارًا يريد أن ينقض) [الكهف 77] كيف كنت أنت قائلًا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارًا ماذا؟ لم يجد بدًا من أن يقول: جدارًا يهمّ أن ينقضّ، أو يكاد أن ينقضّ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيًّا ما قال فقد جعله فاعلًا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ" (11) .
لكن ابن قتيبة في مقابل ذلك يعيد كثيرًا من آيات القرآن، مما حُمل على المجاز، إلى الحقيقة (12) ، من مثل حديث القرآن عن تسبيح الجمادات أو النباتات أو الحيوانات، ومن مثل نسبة الكلام أو نسبة بعض أفعال جرت العادة أن يقوم بها الإنسان، إلى غير الإنسان من موجودات كما في قوله تعالى للسماء والأرض:"ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين" [فصلت 11] . وكذا الشأن في وصف جهنم في قوله تعالى:"تكاد تميّز من الغيظ" [الملك 8] . وقوله:"إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيّظًا وزفيرًا" [الفرقان 12] ، وقوله تعالى لجهنم:"هل امتلأت وتقول هل من مزيد" [ق 30] . وينبه ابن قتيبة على أننا ههنا إزاء لغة حقيقية لا تحتمل التخريج أو تعسف التأويل، وإنما هي تحتاج في تصديقها إلى إيمان؛"فمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وبأن ما جاء به الحق آمن بجميع هذا، وشرح صدره به، ومن أنكره؛ لأنه لا يؤمن إلا بما أوجبه النظر والقياس على ما شاهد ورأى في الموات والحيوان، فماذا بقى على المسلمين؟ وأيّ شيء ترك للملحدين؟" (13) .