فهرس الكتاب

الصفحة 18657 من 23694

والحق أن ابن قتيبة في هذا الاتجاه يتمثل رأي الجمهور الذين يأخذون هذه الآيات على أنها حقيقة لا تحتاج إلى تأويل؛ إذ ليس في النص ما يستدعي استعمال المجاز، فأمّا كيف تكون هذه الحقيقة فهذا ما لم نرهم يخوضون فيه؛ لأن الكيفيات خارجة عن إمكان معرفتهم وفقههم، بدليل أن القرآن نفسه يقول:"وإن من شيءٍ إلا يسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم" (14) . وكأن مثل هذه الآية قد رسمت لهم منهجًا مؤدّاه أن يؤمنوا بما يصوره القرآن لهم من دون أن يطلبوا له تخريجًا على المجاز أو تأويلًا، ومن دون أن يبحثوا عن الكيفيات.

وقد تنبه القدماء إلى ما امتاز به القرآن من دقة في استعمال الألفاظ استعمالًا حقيقيًا أو استعمالًا مجازيًا، ومن ذلك ما لاحظه أبو عثمان الجاحظ من مقارنة بين استعمال القرآن للألفاظ واستعمال الناس لها فقال:"وقد يستخف الناس ألفاظًا، ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب، أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين، ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعًا. والجاري على أفواه العامة غير ذلك لا يتفقدون من الألفاظ ماهو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال" (15) . ومما لا يخفى هنا أن الجاحظ يتخذ من القرآن المثال الذي ينبغي أن يحتذى في دقة الاستعمال، والفيصل الذي إليه يحتكم في امتحان صحة الاستعمال. ثم هو يلتفت إلى ما يمكن أن يحدثه القرآن لبعض الألفاظ من تطور دلالي بحيث يخصص دلالة بعض الألفاظ على نحو ما كان للفظة"مطر"مثلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت