فهرس الكتاب
على أن ما قاله الجاحظ يجد صدىً واسعًا لدى الخطابي فيتسع به ويقف على كثير مما يبدو أنه من المترادفات لينتهي إلى تبيان ما بينها من دقيق الفروق، وليقرر من ثمة أن الدقة في استعمال الألفاظ مواضعَها هي من أمارات البلاغة، يقول:"ثم اعلم أن عمود هذه البلاعة التي تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ الأشكل به، الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه: إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرونق الذي يكون معه سقوط البلاغة، ذلك أن في الكلام ألفاظًا متقاربة في المعاني يحسب أكثر الناس أنها متساوية في إفادة بيان مراد الخطاب، كالعلم والمعرفة، والحمد والشكر، والبخل والشح، وكالنعت والصفة... ونحو [ذلك] من الأسماء والأفعال والحروف والصفات، [بيد أن] الأمر فيها وفي ترتيبها عند علماء أهل اللغة بخلاف ذلك، لأن لكل لفظة منها خاصية تتميز بها عن صاحبتها في بعض معانيها وإن كانا قد يشتركان في بعضها" (16) . ثم يعرض الخطابي أمثلة تبين دقة استعمال القرآن لأمثال هذه التي يُظنُّ أنها مترادفات، وما هي في الحقيقة كذلك، بدليل أن بينها اختلافًا يتبين لمن يقارن بين سياقات ورودها في القرآن.
وبعد.. فإن الباحثين في الإعجاز متفقون على امتياز القرآن في وضعه الألفاظ مواضعها بحيث إن كل كلمة فيه لا يمكن أن يحل محلّها أخرى وإلا لتغيّر الرونق وتغيّر المعنى ولو بعض تغير. وهذا ما قرّره مثلًا ابن عطية ت 542هـ) حين قال:"لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم توجد" (17) ؛ أي أن محور الاختيار في القرآن محور حاز من درجات الجمال والكمال أتمها، وهو أمر لا يتفق لغيره من الكلام.