فهرس الكتاب

الصفحة 18660 من 23694

والحديث في الاستعارة ههنا يقتضينا أن نشير إلى أن اثنين من القدماء على الأقل استبعدا أن تكون الاستعارة وجهًا من وجوه الإعجاز، وذلك ما أشار إليه الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني. فأمّا الباقلاني فقد عرض لما قد يقال من أن إعجاز القرآن يمنك أن يعرف من جهة ما تضمنه من البديع. والبديع مفهوم واسع يضمّ تحت جناحه كثيرًا من فنون البلاغة بما فيها التشبيه والاستعارة، وكان ردّ الباقلاني بأن سرد طائفة كبيرة من شواهد القرآن التي تضمنت فنونًا مختلفة من البديع جنبًا إلى جنب مع شواهد أخرى من غير القرآن نثرية وشعرية (20) ، ثم راح يعقّب بعد ذلك بقوله:"وقد قدّر مقدّرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه. وليس كذلك عندنا؛ لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، وذلك كالشعر الذي إذا عرف الإنسان طريقه صح منه التعمّل له وأمكنه نظمه" (21) . ورأيُ الباقلاني هذا مردّه إلى اعتقاده بأن الوجوه التي يمكن أن يعلم منها إعجاز القرآن هي مما لا يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال (22) . أما تلك الوجوه التي لا يقدر البشر عليها فيراها الباقلاني حاضرة في نظم القرآن. وأما عبد القاهر فيبدو مترددًا في مكانة الاستعارة من إعجاز القرآن، فهو إذ يقرر أن الإعجاز ليس إلا"النظم"و"الاستعارة"يستدرك عقب ذلك رأسًا بالقول: "ولا يمكن أن تجعل"الاستعارة"الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الإعجاز في آيٍ معدودة في مواضع من السور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها ثبت أن"النظم"مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه" (23) .

الامتياز في المستوى التركيبيّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت