فهرس الكتاب

الصفحة 18661 من 23694

ربما كان بديهيًا القول إن مناط الإعجاز اللغوي للقرآن ليس هو في أعيان الألفاظ مفردة، بل في تركيب الألفاظ والكلمات وطريقة نظمها والتصوف فيها، فالإعجاز ليس في الألفاظ لسبب بسيط هو أن الألفاظ موجودة من قبل نزول القرآن كما نبه على ذلك غير واحد من القدماء (24) . ولذلك اتجهت الأنظار إلى طريقة استعمال القرآن لهذه الألفاظ وتوظيفه لها لكي تؤدي المعنى أحسن أداء فكان"النظم"إذًا هو السرّ الذي رأى القدماء الإعجاز متعلقًا به، وقد مر من قبل أن مفهوم النظم مفهوم كان متداولًا عند الجاحظ، فقد ذكر أنه ألف كتابًا"في الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه" (25) ، ورأى أن في هذا النظم يكمن الفرق بين القرآن وبين سائر الكلام وصنوف التأليف، يقول:"فليس يعرف فروق النظم واختلاف البحث والنثر إلا من عرف القصيد من الرجز والمخمس من الأسجاع، والمزدوج من المنثور، والخطب من الرسائل... فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام" (26) . وهو يرى أن نظم القرآن هو"من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج" (27) . وهذا الذي قاله الجاحظ وجد له صدىً عند كثير من اللاحقين كالخطابي (28) وأبي هلال العسكري (29) . وكنا رأينا آنفًا أن الباقلاني قرر أن الوجوه التي يعلم منها إعجاز القرآن هي مما لا يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال، ومن ثم فقد رأى أن أحد تلك الوجوه هو أن القرآن"بديع النظم، عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه" (30) ، ثم شرع بعدئذ في تفصيل وجوه الإعجاز في النظم فرأى:"أن نظم القرآن على تصرف وجوهه وتباين مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد" (31) ، فهو لا يشبه الشعر ولا السجع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت