فهرس الكتاب
كذلك رأى أن من وجوه الإعجاز في النظم"أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة والتصرف والبديع... على هذا الطول وهذا القدر" (32) ، ومنها أيضًا"أن عجيب نظمه وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج وحكم وأحكام، وإعذار ووعد ووعيد... وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور" (33) . ومن وجوه الإعجاز في نظم القرآن براعته في الفصل والوصل فالقرآن"على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب" (34) . ومن وجوه الإعجاز في النظم براعة القرآن في موافقة ألفاظه لمعانيه رغم أن هذه المعاني جديدة غير مسبوقة (35) . وهكذا يتأكد للباقلاني بما لاشك فيه أن النظم في القرآن"ليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقًا، كما يتفق للشاعر البيت النادر والكلمة الشاردة، والمعنى الفذّ الغريب، والشيء القليل العجيب" (36) .
وتتردد عند الباقلاني كثيرًا فكرة خروج نظم القرآن عن نظم كلام العرب بحيث تسم معظم ما كتبه في الإعجاز (37) ، وهي فكرة تعني عنده مفارقة القرآن لسائر الكلام مفارقة تتضمن الاختلاف والتفوق والامتياز، بل هو يكاد يجعل الاختلاف مطلقًا، وذلك مالا نحسب أن الباقلاني كان قادرًا على التدليل عليه أو الوقوف على أسسه.