فهرس الكتاب

الصفحة 18663 من 23694

وكيف يتسنى له ذلك وهو القائل:"فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحار في بحره، وتضل دون وصفه (38) . ولمّا كان الإعجاز النظميّ أمرًا تضل العقول في وصفه فمعنى هذا أن معرفة هذا الإعجاز أمر حدسيّ تذوقيّ ليس مما يستدل عليه بكذا وكذا من الأسباب والوجوه. وإذًا فهل كانت وجوه الإعجاز في النظم التي سردناها آنفًا من كلام الباقلاني نفسه اجتهادًا في غير محله وجهدًا ضائعًا لا يرقى إلى مستوى كشف الإعجاز..؟... إن الاحتكام إلى كلام الباقلاني آنف الذكر لابد أن يجعلها من هذا الباب، ولعل ذلك يتأكد إذا ما أعدنا النظر فيها وإذ ذاك نجدها وجوهًا تتصف بالعمومية التي يعتمد استنتاجها على التذوق والنظرة الكلية والانطباع. فأما النظرة التحليلية التي تبرهن على كيفية تلك الوجوه وخفيّ أسرارها للوصول من ثمة إلى وصفها وصفًا يقال معه: ههنا وجه الإعجاز، فتلك نظرة لا نحسب أن أحدًا قد نظرها؛ ولعل الباقلاني بإشاراته إلى حيرة العقول وعجزها عن وصفه كفى الآخرين وكفى نفسه أيضًا مؤونة الوصف. لكن من يتابع كلامه يفاجأ بخيبة التوقع؛ إذ نراه بعد إشارته تلك يقول:"ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس [‍!] ، وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر" (39) . فأي تناقض بين القولين بعد هذا..؟!.. إنه تناقض لا يزول إلا إذا تأكد لنا أن الباقلاني يستثني نفسه من تلك العقول التي تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه..!.. ولكنا لا نحسب أن الباقلاني يقع في مثل هذا الظن، وإذًا يبقى التناقض قائمًا."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت