فهرس الكتاب

الصفحة 18666 من 23694

ومن جهة أخرى فإن ما لاحظه ناصف من أن عبد القاهر لم يبين مدى تفوق العبارة القرآنية على غيرها من العبارات ملاحظة تستدعي التأمل. والناظر في كتاب عبد القاهر يجد أنه قد نسي هذه المهمة فيما يبدو مكتفيًا بقول مجمل قاله في بدايات كتابه حين تساءل بلسان غيره عن أي الأشياء في القرآن أعجزت العرب فلم يستطيعوا معارضتها؟"أعن معان من دقة معانيه وحسنها وصحتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مثل ألفاظه؟ فإن قلتم:"عن الألفاظ"، فماذا أعجزهم من اللفظ، أم ما بهرهم منه؟"وهنا يقول عبد القاهر في الإجابة:"أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها... وبهرهم أنهم تأمّلوه سورة سورة وعُشْرًا عشرًا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شانها، و يُرَى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى أو أخلق، بل وجدوا اتساقًا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظامًا والتئامًا، وإتقانًا وإحكامًا، لم يدع في نفس بليغ منهم ولو حكَّ بيافوخه السماء موضعَ طمع" (45) . ويلوح أن عبد القاهر قد اكتفى بهذا القول المجمل في الإشارة إلى مزايا الإعجاز القرآنيّ، فهو مطمئن إلى إحكام نظم القرآن إحكامًا دونه كل إحكام، ومن ثمة فقد شرع بعد ذلك وعلى مدار كتابه كله يبيِّن أسس هذا النظم ومزاياه وآلياته وأسراره ودقائقه لا في القرآن فحسب بل في الكلام البليغ عامة قرآنًا كان أو شعرًا أو نثرًا. ويلوح أن تعدد المستويات في شواهد عبد القاهر سببُه أن الشيخ كان يريد أن يرسِّخ أهمية مفهوم النظم في واعية المتلقي حتى إذا ترسخ حقًا أمكنه أن يكتشف بنفسه تفوق نظم القرآن على كل ما سواه، فكأن عبد القاهر يعطي المفاتيح التي من خلالها يتسنى لغيره أن يُوغِل في اكتشاف الأسرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت