فهرس الكتاب
والقرآن الكريم يقرر أنه خطاب إبلاغيّ: هذا بلاغٌ للناس [سورة إبراهيم 52] ، ولكن الإبلاغية فيه لم تعدم كثيرًا من أسباب الجمال، لا بل إن القرآن حقق معادلة صعبة حين ظل في الآن نفسه وفيًّا للإبلاغية ووفيًَّا بالبلاغة، وكل ذلك يؤديه القرآن في أوجز ما يمكن من عبارة، وهي ميزة من أهم ميزات الخطاب القرآنيّ، فقد رأى محمد عبد الله دراز أن من أسباب الإعجاز في القرآن"القصد في اللفظ، والوفاء بحق المعنى" (47) ، وهما أمران يصعب في غير القرآن اجتماعهما. كذلك عدَّ دراز من تلك الأسباب"خطابَ العامة وخطاب الخاصة" (48) وهما أيضًا غايتان متباعدتان عند الناس. ومن الأسباب أيضًا -وهذا ما يهمنا في هذا السياق-"إقناع العقل وإمتاع العاطفة"وهما غايتان يتجهان إلى قوتين في النفس الإنسانية: قوة التفكير، وقوة الوجدان، فالقوى الأولى"تنقّب عن الحق لمعرفته، وعن الخير للعمل به، وأما الأخر فتسجل إحساسها بما في الأشياء من لذة وألم" (49) . والقرآن باعتباره البيان التام قد وفى هاتين الحاجتين في النفس، وآتاها حظها منهما (50) .