فهرس الكتاب
والحق أن القوة التأثيرية للقرآن أمر ربما لم يحتج إلى اكتشاف، غير أن الخطابيّ قديمًا صرح بأن هذه القوة التأثيرية للقرآن وصنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس هو وجه في الإعجاز"ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم (51) . وهذه خاصية للقرآن دون سائر الكلام، يقول الخطابي تتمة لما مضى"فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظَّها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشَّاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود، وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول صلى الله عليه وسلم من رجال العرب وفُتَّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله سمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا" (52) . ومن الأمثلة التي ساقها الخطابي على ذلك قصة إسلام عمر بعد أن سمع أخته تقرأ سورة طه، وتأثر عتبة بن ربيعة، وما كان من تأثر الأنصار الذين حضروا إلى مكة وسمعوا من الرسول القرآن، وعادوا إلى المدينة ليظهروا الدين بها (53) ."
ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن تهمة السحر التي ألقاها الوليد بن المغيرة تدل فيما تدل على أن الذين نزل القرآن فيهم أحسوا بمدى قدرة هذا القرآن على التأثير حتى على من صمُّوا آذانهم وأقفلوا قلوبهم، ولكن الوليد بن المغيرة لم يستطع مع ذلك إلا أن يعترف بجمال القرآن وكان من ذلك وصفه المشهور:"والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمعرق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر" (54) .