وهكذا يتبين من كلام ابن العربي أن القدس كانت مركزًا لنشاط المدارس الإسلامية المختلفة، وملتقى المتناظرين المسلمين وغير المسلمين، فقد ذكر أنه حضر مناظرات لعلماء من ملل مختلفة (25) . كما أشار إلى وجود ثمان وعشرين حلقة لطلب العلم في المسجد الأقصى (26) ، وإلى وجود عدد كبير من العلماء الوافدين على المدينة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي (27) . وكانت العلوم الشائعة في فترة زيارته للقدس هي: علم الكلام، وأصول الفقه، ومسائل الخلاف، حيث يشير إلى اطلاعه عليها هناك (28) . كما يذكر أيضًا أنه اطلع على كتاب المدونة بالطريقة القيروانية، التي تقوم على التمثيل، والطريقة العراقية التي تقوم على الاستنباط واستخراج العلل. وبيّن أن دراسة المدونة، وهي الأصل الثاني للفقه المالكي بعد موطأ مالك، في مدينة القدس، كانت تقوم على الجمع بين هاتين الطريقتين (29) .
واهتم ابن العربي بدراسة كتب الحديث في القدس، وساهم بنقلها إلى المغرب والأندلس، من ذلك مثلًا، كتاب المصباح والراعي إلى الفلاح في حديث رسول الله ، تأليف أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي توفي 490هـ/ 1096- 1097م)، الذي سمعه منه بلفظه، وحدّث به أحد تلامذته، علي بن خلف بن ذي النون العبسي، الذي سمعه بدوره أيضًا عن مؤلفه في القدس. واستمرت رواية هذا الكتاب في الغرب الإسلامي لمدة ليست بالقصيرة، حتى وردت ضمن ما سمعه ابن خير الإشبيلي في فهرسته عن شيوخه في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي (30) .