ومن الأمثلة على وجود المغاربة في القدس أثناء الاحتلال الصليبي، قبيل دخول القائد صلاح الدين الأيوبي إليها، وجود العالم علي بن محمد بن جميل المعافري، الذي نشأ في مدينة مالقة بالأندلس، وأخذ عن شيوخها، ثم رحل إلى المشرق، فأكمل علومه في مصر، ودمشق، واستقر أخيرًا في المسجد الأقصى، حيث عرف بالشيخ المالقي. وكان زاهدًا فاضلًا حافظًا للحديث، عارفًا بالقراءات، إمامًا في النحو، حسن الخط، اشتهر بمتانة الدين، وكمال الفضل. وعندما افتتح السلطان صلاح الدين الأيوبي بيت المقدس سنة 583هـ/ 1187م، عينه إمامًا في قبة الصخرة، بترشيح وإجماع من حضر هناك من العلماء الأفاضل (33) . وينقل ابن عبد الملك الأنصاري عن العماد الأصبهاني قوله في هذه المناسبة:"ورتب السلطان في قبة الصخرة إمامًا من أحسن القراء تلاوة، وأزينهم طلاوة، وأنداهم صوتًا، وأسماهم في الديانة صيتًا، وأعرفهم بالقراءات السبع بل العشر، وأطيبهم في العرف والنشر... ووقف عليه دارًا وأرضًا وبستانًا" (34) .
واستمر هذا الرجل في منصبه حتى وفاته سنة 605هـ/ 1208م، وكان خلال ذلك لا يكتفي بالقيام بواجبات منصبه الديني، بل واصل الدراسة وتلقي العلم، وساهم في الحياة الثقافية في مدينة القدس، فسمع في شهر رمضان من سنة 596هـ/ 1199م كتاب فضائل القدس على مصنفه الحافظ بهاء الدين القاسم بن عساكر (35) ، وبذلك يكون هذا الرجل قد أسهم مساهمة فعالة في نقل العلم الذي أخذه عن شيوخ مالقة في فترة شبابه إلى المشرق، ثم أكمله في بقية جولاته في المشرق، وظهر واضحًا في رفد الحركة الثقافية في مدينة القدس بعد التحرير.