فهرس الكتاب

الصفحة 18752 من 23694

وحالُ سهلً مع البرامكة والرّشيد من بعدهم ـ على ما يروي هو ذاته ـ يطابق حالَ الثعلب مع الذّئب أوّلًا، و النّمر ثانيًا، والذي عفا عن الثعلب، للسبب ذاته الذي عفا به الرّشيد عن سهل بن هارون؛ وأعني به حسن عقله، ونفوذ رأيه، وجودة منطقه، وحلاوة لفظه.

والبرامكة الذين نكبهم الرّشيد، بعد استبدادهم على الدّولة، واحتجانهم أموال الجباية )) ـ كما يقول ابن خلدون (43) ـ حالُهم كحالِ الذّئب مع النّمر، كما مرّ بنا في القصة. أمَّا سهلٌ المرموز إليه بالثّعلب فيمثّله رمزه خير تمثيل، وأصدق تصوير، وكأنّما القصة في سيرته الذاتية، وتاريخ حياته مجملًا، أو لنقل: تاريخ حياته بعد انتقاله إلى بغداد، ولقائه بالبرامكة. وإذا جاز اعتبار القصة من سيرته الذّاتية، فقد لا أكون مسرفًا في التأويل إذا قلت: إنَّ الوادي الذي كان فيه الثعلب، يمثّل البصرة؛ مقامَ سهلٍ بعد اليفاعة، والسّيل الذي دَهَمَه، هو خروج أنداده من ذوي النباهة والذّكاء إلى بغداد، حاضرة الخلافة العباسيّة، التماسًا للشهرة والثّراء. أمّا حيرته أوّل أمره في الجزيرة ومبيته طاويًا، فتمثّل حيرة أيّ إنسان في بلدٍ غير بلده، وهو يدلف إليه، للوهلة الأولى. ثم يلتقي بالذّئب البرامكة)، ولعلّ سهلًا نَصَحَهم بحسن المعاملة مع الرّشيد، وسلوكِ طريق موافقته، وعدم الاستبداد في أمور الدّولة، كما صنع الثَّعلبُ مع الذَّئب، سَواء بِسَواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت