وكذلك صنّف هارون بن الحائك كتابه"العلل في النحو (22) "، ولعلّ كتاب"الإيضاح في علل النحو"لأبي القاسم الزجاجي الكتاب الأول الذي وصلنا والعلّة قطب رحاه،"فقد جمع فيه صاحب أهم ما عرف من علل نحوية في عصره، سواه ما اتّصل منها بمدرسة البصرة أو الكوفة أو بغداد، أو نمي إلى نحوي بعينه (23) ".
لقد استفحل أمر العلّة والتعليل في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وتفاقم تغلغل الفلسفة وعلم الكلام في النحو وطرق النظر في مسائله؛ ذلك أنَّ النحاة احتذَوا بالمتكلمين وقلّدوهم، فأخذوا بتطعيم نحوهم بالفلسفة والعلّة (24) . وما ذلك إلا لأنَّ مسائل علم الكلام كانت هي الأسبق إلى تصدّر مجالس العلم والبحث والمناظرة، بل كان عدد من النحاة من المتكلمين، بل ليس ببعيد القول بامتزاج النحو بالفلسفة والمنطق امتزاجًا كبيرًا حتى جعلهما السيرافي في وادٍ واحد، وجعلهما الرماني وجهين لعملة واحدة حتى قال فيه الفارسي قولته:"إذا كان النحو ما يقوله الرمّاني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه من شيء (25) ".