ولعلّنا نستدلّ من المقولة السابقة على نفور أبي علي الفارسي من هذا الخلط بين النحو وبين المنطق من جهة، ونفوره من أن يصبح النحو"نحوًا عقليًا نظريًا جدليًا أكثر مما كان عمليًا مستمدًا من واقع اللغة الحيّة المتداولة (26) "حتى غدت طرائق النحاة في النقاش والإقناع والتعليل أشدّ اقترابًا من علم الكلام والجدل منها إلى علوم اللغة وأحكامها (27) . فالقرن الرابع ـ بحق ـ يمثل ذروة سنام البحث النظري في العلة وأقسامها، وما جاء من بعد ذلك من نحاة ألّفوا فيها لم يستطيعوا زيادة شيء أو استدراكه على النحاة الأوائل الذين رادوا الطريق وألحبوه، ذلك أن استنباط العلة ـ في هذا القرن ـ أصبح مظهرًا من مظاهر الذكاء والفطنة، وارتبط ارتباطًا بالثقافة المنطقية. وشهد هذا القرن ظهور مصطلح"علة العلة (28) ". فأبو علي الفارسي مثلًا كان يكثر من التعليل، حتى إنه نسب إليه انتزاعه ثلث العلل التي أصابها أصحابه من بعده (29) . وماز ابن جني علل النحو من علل الفقهاء والمتكلمين، وأنحى باللائمة على من ضعّفوا علل النحاة، لأن علل النحاة تأنس بها الفطرة (30) ، ويألفها الحس والشعور، ويميل إليها الطبع فهي مواطئة له (31) ، ولا تنقاد جميع علل الفقهاء هذا الانقياد، فعلة النحاة علل حسية تكشف عن نتيجة الاستقراء وتفصح عنها، وهي ليست من المنطق الصوري، بل من المنطق المادي (32) .