فهرس الكتاب

الصفحة 18792 من 23694

لقد كان الفارسي شديد الاعتداد بالعلّة، يسرع إلى اقتناصها والقول فيها، فكان يذكر من العلل ما يحضره في الحال، ثم إنه يعاود النظر والروية فيما أفتى، حتى إنه جعل للأول تسمية"الجواب الميداني"الذي يقدحه على زناد فكره في الحال. وقد روى عنه أنه كان مع عضد الدولة في الميدان فسأله في علة نصب المستثنى فقال له أبو علي: انتصب لأن التقدير: أستثنى زيدًا، فقال له عضد الدولة: وهلاّ قدّرت امتنع فرفعت زيدًا؟ فقال له أبو علي: هذا الجواب ميداني، إذا رجعت ذكرت لك الجواب الصحيح إن شاء الله (33) "."

إن التعليل ـ بحق ـ نما وترعرع واستوى على سوقه، وآتى ثماره يانعة علي يدي أبي علي الفارسي وتلميذه ابن جني"سواء في ذلك العلل التعليميّة والعلل الثواني، والعلل الجدلية، وتأثر بهما معاصروهما وخالفوهما (34) ". حتى إن ابن جني فسح الطريق العلماء أن يتفرّوا في تعليلاتهم، ولم يضيق عليهم الخناق، ولم يلزمهم يعلل الآخرين، فكل من ظهرت له صحيحة وطريق نهْجة، فهو خليل نفسه، وأبو عمرو فكره (35) . ولعلّ في هذه الفكرة ما يشهد لابن جني بالعقلية المتسعة الأفق، التي تنأي عن أن تحجر واسعًا، أو أن تقلِّص لا حبًا.

وهذا الاتجاه إلى التعليل ـ ونعني العلل القياسية ـ ليس هو في حقيقة الأمر سوى ملمح من ملامح تطوّر الفكر العربي ونضجه على مر العصور وثمرة من ثمار تطوره، ومنتوج منطقي وحتمي لما سبقه من أوليات ومقدمات (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت