ولا يعني وقوفنا هذه الوقفة عند العلة في القرن الرابع أن النحاة قد انقطعوا عن التعليل أو الأخذ به والتأليف فيه، بل استمرَّ ذلك إلى قرون متأخرة، فقد صنّف ابن الأنباري"ت 577 هـ"كتابه أسرار العربية وقال عنه:"أوضحتُ فيه فسادَ ما عداه بواضح التعليل، ورجعت في ذلك كله إلى الدليل (37) ". وصنف كذلك"الجمل في علم الجدل"و"نجدة السؤال في عمدة السؤال"، و"الإغراب في جدل الإعراب"و"لمع الأدلة (38) ". وأسهم أبو البقاء العكبري"616 هـ"فصنّف في ذلك كتابه"اللباب في علل البناء والإعراب (39) "، فكان التعليل"غاية المؤلف الأولى من تأليفه الكتاب... فكل شيء معلول بعلّة أو بضع علل، وعلى النحوي أن يفتّق عرا الكلام عن هذه العلل... ففي كتب السابقين، ومنها كتاب سيبويه، ومقتضب المبرد، وأصول ابن السرّاج فيض من هذه العلل، ولم يزد عمل الشيخ في لبابه على تنسيق هذه العلل، وسوقها مساقها المسدّد المحكم (40) ".
وللعلّة ـ كما للمعلَّل ـ أنواع. أما العلل فهي عند ابن السراج"316 هـ"نوعان: الأوّل يؤدي إلى كلام العرب، كأن نقول: كل فاعل مرفوع.
والثاني يسمَّى علَّة العلة ـ ولعلّ هذا المصطلح عرف على يديه أوّل ما عرف ـ كأن نقول: لم صار الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبًا... وهذا"ليس يكسبنا أن نتكلم كما تكلّمت العرب، وإنما تستخرج منه حكمتها في الأصول التي وضعتها (41) ".
وزاد الزجاجي"ت 337 هـ"نوعًا ثالثًا فقد جعلها ثلاثة أنواع، هي:
العلل التعليمية: وبها يتوصَّل إلى تعلّم لغة العرب، فإذا سمع بعض منها قيس على نظيره. ومنها البحث عن علة رفع كلمة أو نصبها، أو جزمها: لم رفعت، ولم نصبت؟ فهذا"وما أشبهه من نوع التعليم وبه ضبط كلام العرب (42) ".