أما قضية الحب الرفيع التي يرجعها العديد من الدراسات الاستشراقية إلى مصادر عربية أندلسية، فهو مما يستوقف الدارس ويدعوه للتأمل. فالمرأة في العصور الوسطى عند بعض الأوربيين أو مكانتها، كانت أدنى من مكانة المرأة العربية في الأندلس. وإذا كان الوأد عند بعض القبائل العربية في الجاهلية مما يؤخذ على العرب مع أنه كان يتم خشية إملاق أو فقر أو صونًا لكرامة أو عرض، فإن الإقطاع الأوربي في بعض دوائره في العصور القروسطية كان ينظر إلى المرأة كجسد للإنجاب واللذة. وقد دفعت الغيرة بعض القوم إذا ما فارقوا نساءهم أن يلبسوهن"حزام العفة"أو"قفل العفة"وهو عبارة عن لباس يقفل المرأة عن الرجل ويمنعها عنه، فلا يمكنه منها أو الوصول إليها حماية وصونًا لها من الزنى.
أين هذا كله من المرأة العربية التي تتغنى بجمالها وعفتها القصائد العربية أندلسية ومشرقية؟
إن الرومانسية الأوربية التي كانت تفتحًا آخر للحب الرفيع ولعلاقة المرأة بالرجل ومكانتها في وجدانه وفنه، لم تعدم سابقتها العربية الأندلسية. ففي قصة حب أحمد بن زيدون وولادة بنت المستكفي آخر الخلفاء الأمويين في الأندلس، كل عناصر الحب والتقاليد الرومانسية. إن الحب عهد بين المحبين في إطار الطبيعة، الفن والشعر والخيال والألم، بالإضافة إلى العهد الذي يأخذه العشاق على أنفسهم والعود إلى الطبيعة هي الركائز الأساسية التي قام عليها التقليد الرومانسي في أوربا، ومن يدرس حب ابن زيدون في رحاب الزهراء لا سيما قصيدته النونية وقافيته وهما من عيون الشعر العربي في الأندلس يجد هذه الركائز جميعًا بجلاء ووضوح وهو القائل:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقًا
والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله
كأنما رق لي فاعتل إشفاقا