فهرس الكتاب
يضاف إلى هذا الجانب العسكري في حياة خالد جوانب أخرى جديرة بالإجلال والتقدير، كتوطيد أركان الدولة الإسلامية، وإقامة العدل في معاملة أهل البلدان المفتوحة، وأعمال العمران، فضلًا عن الشمائل الذاتية لديه من سموّ خلقي، وشجاعة نفسية، وإنكار للذات، موقنًا أن الرجال لا يقاسون بما يتولّون من أعمال، بل بما يحسنون القيام به من شرف ونَبالة، وما يعود نفعه على الأمة وإن تكلفوا فيه عنتًا، وواجهوا صعوبات تنوء بها الكواهل. وبقي هذا رأيه حتى وافاه الأجل سنة 21 هـ في خلافة الفاروق عمر الذي كانت له مواقف معروفة من خالد في مناسبات مختلفة.
وقد كان لهذا كله -من سيرة خالد، وأعماله، وتقلّباته، وسجاياه، وموقف عمر منه -أصداء مختلفة ومتفاوتة في الشعر العربي، وخصوصًا الشعر المعاصر، تبعًا للظروف والمناسبات، وتبعًا لسيرورة الأحداث والكوائن التي تلمّ بالعرب والمسلمين.
على أن نصيب خالد في شعرنا القديم خاصة لم يكن وافرًا، حتّى في أيام خالد نفسه، ذلك أن المسلمين كانوا يخوضون المعارك في سبيل الله لأنهم"رجال الله"اتخذوا هذه العقيدة دينًا، ومن ثم توحدت كلمتهم على هذا الدين الذي بث فيهم أحاسيس ومشاعر سامية، ولم يخطر ببالهم أنهم يقاتلون أو يجاهدون من أجل أفراد متمثلين في قوادهم وأمرائهم. ولهذا قلما نجد في شعر الفتوح ذكرًا لأحد القواد أو الأمراء، بل يرد بدلًا من ذلك ذكر أسماء المعارك التي خاضوا غمارها، بضمير جمع المتكلم، كقول القعقاع بن عمرو يوم وقعة"الفِراض"التي انتصر فيها المسلمون بقيادة خالد على الفرس والروم وأحلافهم من بعض العرب:
لقينا"بالفِراض"جموعَ رومٍ
أَبدْنا جمعَهم لمّا التقينا ... وبَيَّتْنا بجمع بني رزام
فما فتئتْ جنود السّلْم حتى ... رأينا القوم كالغنَم السَّوام ( [1] )