فهرس الكتاب
من هنا راح شعراؤنا الغُيُر يلوذون بالماضي الزاهر وما جاد به من قواد وأبطال غيّروا مجرى التاريخ، ويتوجهون إليهم بالخطاب الذي يوسم بأنه"حوار"مع فلان، أو"مرافعة"بين يدي فلان، أو"تداعيات"بين يديه، أو"فلان"وبعض القضايا المعاصرة. فضلًا عن عناوين أخرى موحية تنبع من التفاؤل تارة مثل: (موتُ ميْتٍ حياة، الفجر الزاحف، الغليان، الأعاصير..) والتشاؤم تارة أخرى: (الموت في شباب النهار، انكسارات الصهيل، الغربة في الزمن القارس، نداء الرّميم، رماد الهشيم...) .
على أن هذه الظاهرة، ظاهرة استدعاء الشخصيات التراثية في شعرنا المعاصر، شاعت اليوم على نحوٍ لم يعرفه شعرنا العربي من قبل، حتى أصبحت سِمةً بارزة في هذا الشعر. وساعد على ذلك أن التراث عندنا غني بمحتواه، وينبوع دائم العطاء، وأرض صلبة تصلح لأن يبني الشاعر المعاصر فوقها حاضره الجديد على أرسخ القواعد، وهو بعد ذلك حصن منيع يلجأ إليه كلّما عصفت به العواصف، فيمنحه الأمن والسكينة ( [12] ) .
فأما شخصية البطل خالد بن الوليد فقد كانت موضع اهتمام كثير من الشعراء المعاصرين، نظرًا إلى أنه من أولئك القواد الكبار الذين قادوا جيوش الفتوح، وحققوا الانتصارات المجيدة، وهزّوا أعتى العروش الرومية والفارسية، وكانوا نماذج راقية للرجال الأفذاذ والعبقريات النادرة التي تدهش الألباب، وكانوا أيضًا ممن تباعدوا عن الظهور، ورغبوا في الشهادة الخالصة من الشهرة وطلب المغانم، فكانت حيواتهم مبعثًا لتجديد الهمم، والتذكير بالواجبات وفتح مجالات موصدة في مسالك الحياة لتحقيق الغايات المنشودة وتجسيد الآمال الناضرة ( [13] ) .