فهرس الكتاب
وفي مرورنا بأجزاء هذه القصيدة -التي تدل على أن حافظًا قد قرأ سيرة"الفاروق"وأحاط بكل تفاصيلها من مختلف المصادر - نقف عند القسم الذي عقده حافظ للكلام على"عمر وخالد بن الوليد"في 29 بيتًا، وطبيعة موضوع القصيدة لا تتيح للشاعر أن يخرج عليه إلى التفصيل في حياة خالد وأعماله وبطولاته مما يعدّ استطردًا لا يناسب المقام، وخير الكلام ما كان مراعيًا لمقتضى الحال. ... له الفتوحُ، وهل أغنى تَواليها؟
بدأ حافظ حديثه هذا بقوله (الديوان 1/84)
سل قاهر الفرس والرُّومان هل شَفعتْ
غزا فأبلى، وخيلُ اللهِ قد عُقدتْ ... باليُمن والنصر والبُشرى، نواصيها
ثم يمضي حافظ فيتحدث عن شجاعة خالد ومعاركه مع الفرس والروم، وأنه ظفر في ثلاثين موقعةً سجّلتْها له يدُ الفتح: ... ولا رمى الفرس إلا طاشَ راميها
ما واقعَ الروم إلا فرّ قارحُها
عشرون موقعةً مرّت محجَّلةً ... من بعد عشرٍ، بنانُ الفتح تُحصيها
وخالدٌ في سبيل الله مُوقِدُها ... وخالدٌ في سبيل الله صاليها
وبعد ذلك الجهاد، وتلك الجهود، وحين تولى الخلافةَ أبو حفصٍ عمر: ... كما يقبّل آيَ الله تاليها
أتاه أمر"أبي حفصٍ"فقبّله
واستقبل العزْلَ في إبّان سطوته ... ومجدهِ، مستريحَ النفس هاديها
ألقى القيادَ إلى"الجرّاح"ممتثلًا ... وعزّة النفس لم تُجرح حواشيها
وانضمّ للجند يمشي تحت رايته ... وبالحياةِ، إذا مالت، يفدّيها
وما عَرتْه شكوكٌ في خليفته ... ولا ارتضى إمْرَة"الجرّاح"تَمْوِيها
إنه لموقف رائع ونادر، سجّله التاريخ للقائد المظفّر"خالد"بأحرف من نور، وهو يستقبل أمر العزل عن القيادة، من أمير المؤمنين، بكل الرضا وبتمام الانضباط والطاعة، ولم يُسئ الظنّ بعمر، بل إنه - حين أدركته الوفاة فيما بعد - أوصى عمر بأولاده من بعده، وكان حزن عمر أيضًا عليه حين وفاته كبيرًا، وترك النساء يبكينه: ... قد وجّه النفس نحو الله توجيها
فخالد كان يدري أن"صاحبه"
لذاك أوصى بأولادٍ له"عُمرًا"... لمّا دعاه إلى الفِردوس داعيها