فهرس الكتاب
تعد هذه القصيدة من أجمل ما قيل في خالد بن الوليد، وقد لاحظنا أن عمر أبو ريشة لم يقف موقف المؤرخ الواصف لحياة خالد، بل كان همّه منصرفًا إلى المعنى الشعري الذي يجد له مرتكزًا في الصورة والخيال، فيرسمه بدقة وتدبّر وتلاوين مناسبة للمقام، ولا يهتم بالتفصيلات التاريخية كثيرًا، ولا بتسلسلها، بل باللقطات الشعرية، ولذلك أغفل عدة مواقف في حياة خالد، واكتفى ببعضٍ منها مما يعينه على بناء قصيدته موفرًا لها الموسيقا في اللفظ، والجدّة في الصور، والجمال في الألوان والظلال ( [16] ) .
ومن القصائد المعاصرة التي يجدر بنا ذكرها هنا قصيدة:"أوراق مطوية من مذكرات سيف الله المغمد" ( [17] ) للشاعر المصري أحمد عنتر مصطفى. وهو في قصيدته هذه يحاول استغلال شخصية القائد خالد بن الوليد"لإبراز المفارقة بين روح الجهاد المتوقدة التي كانت تضطرم بين أضلاع المجاهد القديم، وروح الضعف والانكسار التي تسري في أوصال خلفه". والشاعر يبرز هذه المفارقة بدءًا من عنوان القصيدة"فخالد الذي يتحدث عنه ليس"سيف الله المسلول"وإنما هو"سيف الله المغمد"... إنه ليس ذلك البطل المنتصر الذي لم يهزم في حرب قط، وإنما هو خالدٌ معاصر مهزوم، بلغت الهزيمة نخاعه، حتى إنه ليشرب نخب انتصار عدوه:"
أوّاه يا مخزوم
الشوك في الحلقوم
والقائد المهزوم
يشرب نخب الروم
ولكن خالدًا -وإن حمل وحده وزر هذه الهزيمة- ليس هو المسؤول عنها وإنما هو ضحيتها وشهيدها. إنما المسؤول هو ذلك الواقع المهزوم المنهار الذي يحيط بخالد، والذي تحولت شعلة الجهاد التي كانت تتأجج بين جنبيه إلى روح تخنّث وميوعة. فماذا يفعل خالد وحده وسط هذا الواقع الفاسد، وهو الذي تحمل وحده كل الجراح وكل الغصص؟:
وحين ترين رماحي بكف الصبايا تحوك، تطرز صوف التريكو
بأمسية من أماسي الشتاء مع المدفأة
وتغدو سهامي مراود كحل أمام المرايا، وبين الجفون تقلّبهن امرأة
فتستصرخين دمي العاصفا