سادسًا: نعود إلى القصيدة الأولى المطولة، لنرى كيف يقف أبو ريشة مع خالد في موقف مناجاة واستحضار، مسقطًا همومه على هذا الموقف وفي أحد عشر بيتًا يطوف بنا أبو ريشة في متاعب أمته المعاصرة مقارنة بأمجادها الغابرة، فينادي خالدًا من وراء العصور لعله يرى ما نحن فيه من تشرذم. ولكن الشاعر يبقى في حماسه وثقته بشعبه، وهو لا يُظهر اليأس، وإنما يسترشد بحماسة الجند برغم خور القادة والحكام. وهو يحسن ربط البطولات القديمة بإسقاطاته المعاصرة. والشاعر يصرح لخالد بأنه لا يخاف البغي والطغيان، وأنه لن يسكت عما تعانيه أمته، فبطولات الماضي ما تزال تنبض في عروق الحاضر، وإيحاءات معركة بدر لا تزال في الأذهان بكُلِّ معانيها وقدسيّتها ( [19] ) : ... هل من تلفتٍ لبياني
يا مسجّى في قبة الخلد، يا خالد
لا رعاني الصبا إذا عصف البغي ... وألقى فمي ضريح لساني
أقسم المجد أن أقطّع أوتاري ... عليه بأكرم الألحان
أنا من أمة أفاقت على العزّ ... وأغْفت مغموسة في الهوان
عرشها الرّثّ من حراب المغيرين ... وأعلامها من الأكفان
والأماني التي استماتت عليها ... واجمات تكلّمي يا أماني
لا تقل: ذلّت الرجولة، يا خالد ... واستسلمت إلى الأحزانِ
حمحمات الخيول في ركبك الظافر ... مازلن نشوة الآذان
كم طوت هذه المرابع أفلاذ ... قلوب"بدرية"الخفقان
قم، تلفت، ترَ الجنود كما كانوا ... منار الإباء والعنفوان
ما تخلّوا عن الجهاد، ولكن ... قادهم كل خائن وجبان
سابعًا: في الأبيات الثلاثة الأخيرة يعود الشاعر إلى مقدمته الفلسفية التاريخية، فيناجي"راويات الزمان"مرة ثانية: ... ومالي أغصّ بالأشجان
راويات الزمان، مالي أناجيك
اغسلي الذكريات عني، فمالي ... باحتمال العبء الثقيل يدان
أَوْ فَسِيلي مَراوِدًا تنثر الكحل ... ضياءً في مقلة الوسْنان
إنه لا يستسلم برغم أشجانه وغصصه، وهو يرجو راويات الزمان أن تدفع عنه ذكريات الماضي لأنه لا يقوى على احتمال هذه الذكريات في واقعه المؤلم الممزق.