فهرس الكتاب
وكانت النساء لا تستغل في الرجال عاطفة الأبوة، وظاهرة الدفاع عن الحُرمات، وهي قيمة أخلاقية ابتدأت في الجاهلية وتنمّت في الإسلام، وإنما لجأت النساء إلى استفزاز الرجال وتحريضهم بلمس العقائد الدينية التي أصبحت بعد انتصار الإسلام وانتشاره في العقدين الأولين من القرن الهجري الأول الدافع الأساس للجهاد، والمرغّب الأصل في الشهادة لنصرة الدين، وخاصة أن المسلمين يحاربون جيشًا يغايرهم تمامًا في العقيدة فتلجأ المرأة لا إلى دالّة الزوجية وإنما للنخوة الدينية كالحالة التي رأيناها عندما هاجم بطارقة الروم قلب الجيش الإسلامي وميمنته. حيث كان لواء القلب بقيادة يزيد بن أبي سفيان، ولواء الميمنة بقيادة عمرو بن العاص فتكاثر الروم عليهما، فتراجع المسلمون حتى التصقوا بالتل الذي عليه النساء، وأحاطوا بالتل، فصاحت امرأة: أين أنصار الدين؟ أين حماة المسلمين؟ وكان الزبير بن العوام جالسًا عند زوجته أسماء بنت أبي بكر، قال: يا أسماء ما لهذه المرأة تصيح: أين أنصار الدين؟ فقالت له عفرة بنت عثمان: يابن عمة رسول الله (?) انهزمت ميمنة المسلمين، حتى ألجأهم الروم إلينا، وأحاط بنا الأعلاج وهذه نساء الأنصار مستصرخة بأنصار الدين، فقال الزبير: والله إني أنا من أنصار الدين، ولا يراني الله جالسًا في مثل هذا الوقت، قال: ثم طرح الخرقة عن عينه واستوى جالسًا على متن جواده، فأخذ قناته وجعل يطعن فيهم طعنا متداركًا حتى ردهم على أعقابهم" ( [8] ) "