تكشف الإضاءات الثلاث هوية التناص في البيت. فقد أقام الشاعر دلالته على الربط بين ما يريد قوله دون أن يصرح به وبين دلالة النصوص القرآنية الغائبة دون أن يصرح أيضًا إلا باسم السورة. ولا شك أن هذا يحمل المتلقي على استكناه المخزون الثقافي للذاكرة والعودة إلى النصوص في مرجعيتها الدينية، ليكشف الأبعاد الدلالية التي أراد الشاعر التعبير عنها.
لم يجتر النص الشعري إذًا النص الغائب، ولم يكرر إنتاجه أو سرده، وكذلك لم يمتص الدلالة النصية القرآنية ليعيد إنتاجها بلغته، وإنما أقام معها حوارًا على المستويين: الدلالي والفني. الأول من خلال نقل النص إلى إطار المدح في السياق الدلالي للقصيدة، والثاني من خلال تحفيز الذاكرة الثقافية للمتلقي.
م2-يقول العسقلاني في المديح:"على الطويل" ( [15] )
وَلاَ مِثْلَ جَمْعِ الْبَيْهَقِيِّ فَحُسْنُهُ
فَيَا رَبِّ بِالإِحْسَانِ فِي الْخُلْدِ جَازِهِ ... فَإِنَّكَ بِالإِحْسَانِ كَافٍ وَكَافِلُ
"ولا مثل جمع البيهقي"، أي لم يكن مصنف من مصنفات الحفّاظ مساويًا في حسن الجمع والتصنيف لكتاب البيهقي ( [16] ) . ولذلك يدعو الشاعر ربه أن يجازيه بالإحسان في جنة الخلد؛ إلا أنه لا يعبر عن ذلك دون الدخول في علاقة حوار مع النص القرآني الغائب، وهو قوله تعالى: ?هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ
الإِحْسَانُ? ( [17] ) أي لاجزاء لمن أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة. ويلاحظ أن العلاقة المباشرة بين طرفي التناص بعيدة من حيث التعبير، إلا أن دلالة النص الشعري دعاء بمكافأة البيهقي بالإحسان إليه في الآخرة على عمله في الدنيا، وذلك ينسجم مع دلالة قوله تعالى. وعليه فإن العلاقة
التناصية نشأت بين الطرفين في تلك الأرضية المشتركة: العمل في الدنيا وجزائه في الآخرة.