ب- تأكيده الإعجاب بالطابع العربي الزاهي لماضٍ ذي أمجاد، فالشاعر يصوِّر في قصيدته شخصيات عربية معروفة من رجالات الثقافة أو السياسة في العصرين الأموي والعباسي، ويبدو العربي في صوره خليفة، أو ملكًا، أو وزيرًا، أو أميرًا، أو متنفعًا، أو فنانًا. وإذا تذكرنا حال العربي في العصر الذي عاش فيه الشاعر أدركنا الدلالات الوجدانية والفكرية لاستحضاره تلك الشخصيات. عاش الشاعر في عصر انتشر فيه البؤس والجهل والفقر والتخلف، وأصبح فيه العربي في أحسن حالاته مواطنًا من الدرجة الثانية، ولا بدَّ من الإشارة في هذا المقام إلى أن الحكم العثماني الذي استمر في البلاد العربية نحو أربعة قرون، لم تكن مراحله متساوية في بؤسها أو نعيمها كما أن الحكام من خلفاء ووزراء وولاة، لم يكونوا متساوين في ظلمهم أو عدالتهم إذ نجد بينهم الطامح إلى تحقيق العدل وما تقتضيه القيم الإسلامية الأصيلة، كما نجد بينهم من غلب عليه التعلق بحطام الدنيا وأهوائها، ويبدو أن التعلق بذاك الحطام قد حطم أسس النهضة العربية على مدى عهود طويلة. كما لا بدَّ من الإِشارة إلى أن ظروفًا دولية خارجة عن إرادة الحكم العثماني قد أسهمت في نشر البؤس والشقاء في ذلك العصر، ونذكر منها اكتشاف رأس الرجاء الصالح الذي حول طريق التجارة العالمية بين الغرب والشرق عن البلاد العربية مانعًا إفادة أهلها بالضرائب، وغير ذلك مما تتيحه التجارة من مكاسب، وكذلك اكتشاف أمريكا المشؤوم الذي أسهم في تقوية الغرب في صراعه التاريخي مع الشرق، وسقوط الأندلس وما تركه من أثر في نفوس العرب..
كل ذلك أسهم في رسم صورة المجتمع العربي في تلك المرحلة، مما يجعل مجالس اللهو، التي تحيط بالشخصية العربية في النَّص ظاهريًا، تبوح بدلالات سياسية واجتماعية غير مباشرة وذلك بمثل قول الشاعر ( [15] ) :
من مليك زفت بحضرته الكأ
ووزير قد بات يسترق اللذا ... ت وهنًا والليل مرخٍ إزاره