إن المعنى الظاهر الغريب هو الحديث عن الغناء وأجواء اللهو التي ترافقه، ولكن من يتأمل في الأبيات يجد أن ذكر هؤلاء الأعلام يشير إلى دلالات فكرية ووجدانية أبعد من ذلك، وقد علق المحبي في كتابه (خلاصة الأثر) على هذه الأبيات فقال (قدامة بن جعدة بن هبيرة الخزرجي من ندمائه، والأخطل هو الشاعر المشهور النصراني، وقتيب بن مسلم هو قتيبة الباهلي، وكان نديمًا له، وكان أبوه مسلم كبير القدر عند يزيد) ( [17] ) ... ن على كل تلعة وقراره
يلاحظ من أبيات ابن النقيب وتعليق المحبِّي الأمور التالية:
1-كثرة ذكر الأسماء في النص الشعري بأسلوب يقدم الاهتمام بشخصيات عربية معروفة في التاريخ على الاهتمام بالموضوع الظاهري للقصيدة أي الغناء.
2-استمرار ابتعاد الشاعر عن وصف المباذل التي تصاحب حديث الشعر عن الغناء والخمرة في قصائد غيره من شعراء العصر الذين كانوا لا يتحرجون من التبذل في شعرهم، بينما نجد ابن النقيب يحقق بلغته العفيفة بالنسبة للأدب السائد في عصره انزياحًا دلاليًا مرتبطًا بأبعاد فكرية وجدانية جديرة بالاهتمام، فابن جعدة والأخطل المذكوران يثيران في دلالات النص رغبة طامحة إلى استعادة المجتمع العربي لصفاء العلاقات بين أبنائه وفئاته الاجتماعية.
3-ينسجم تعليق المحبِّي -الأديب المعاصر للشاعر- على أبيات القصيدة، مع طابعيها السابقين فيقدم معلومات إضافية عن أصحاب الأسماء المذكورة في سياقها مشيرًا إلى المصادر التي استقى منها بمثل قوله:"قال أبو الفرج الأصفهاني"،"قال صاحب العقد"، والمحبِّي في ذلك يقدم لقرائه في العصر العثماني شكلًا من أشكال الإحياء الثقافي العربي، فلا يقتصر على التعريف بأصحاب الأسماء وبفن الغناء والموسيقا في التراث العربي، بل يضيف إلى ذلك انشغالًا واضحًا بالظواهر الأدبية وقيمها النقدية، كما في قوله: (ابن جامع من المغنين المشهورين، وكان أحلاهم نغمة، وعيسى بن داب كان أديبًا وأحلاهم ألفاظًا) ( [18] )