فهرس الكتاب

الصفحة 19192 من 23694

وفي موضعٍ آخر من الحجازيّات نجد الشريف يُحدِّد مكانًا بذاته ( [15] ) ، وهذا التحديد هو الطريق الأكثر ورودًا في الحجازيّات، فهو يذكر تهامة، وجمع، والحجاز، والخيف، وذا سلم، وزمزم، وطيبة والعتيق، والعقيق، وقباء، وكاظمة، والمدينة، والمصلّى، والمقام، ومكة، ومنى، والنقا ( [16] ) . ... ولا وَردوا في الحبِّ إلاّ على وردي ( [17] )

هذه الأماكن تحمل نفحاتٍ إيمانيّة قوامها الرهبة والجلال لأنّها تُشكِّل الجانب الروحي في الفِكر الإسلاميّ.

وتمتاز الحجازيّات بروحٍ عذبةٍ عذوبة نفسيّة صاحبها الذي يُدرِك الوجود وخفاياه، وحجازيّاته تظهر نشيجه ودموعه، فهو مقروح الكبد مع الشوق لا يقوى على الصّبر والتجلُّد من شدّة الوجد،

يشرّع في مذاهب الغرام، ويُعير دموعه لِسائر العشّاق:

وما شربَ العشّاقُ إلا بقيّتي

والحجازيّات تبرز عفّة الشريف، والحبّ الظاهر فيها هو من نوع الغزَل العفيف الذي يشعر فيه أحيانًا بمذلّة الهوى شعورًا مقترنًا بمنزلته العزيزة التي أذلّتها أهواء الفؤاد، هذا الشعور وهذه المنزلة دَفَعا الرضي إلى جعل الحديث عن العفّة مُلازِمًا أكثر شعره الغزليّ، فكانتَ العفّة عاملًا مُطهّرًا للجانب الحياتي من الغزل ( [18] ) . ... ضَجيعانِ لي، والسيفُ أدناهُما مِنّي

والشريف يتغزَّل، ولكن في تصوُّن، وينسب ولكن في وقار، ويحاول تصوير قهره لشهوات النفس على ما بها من لواعجِ العِشْق، فقد تُضاجعهُ الحسناء، ولكنَّ السيف بينه وبينها، وهو أدنى الضجيعَيْنِ إليه، وما أبرعَ هذه الكِناية عن العِفّة التي يُصورّها قولُه:

تُضاجِعُني الحسناءُ، والسَيفُ دونَها

إذا دنَتِ البيضاءُ مِن‍ّي لِحاجَةٍ ... أبَى الأبيضُ الماضي، فَأبعدَها عَنّي

وإنْ نامَ لي في الجَفْنِ إنسانُ ناظِرٍ ... تَيقَّظَ عنّي ناظرٌ ليَ في الجفْنِ ( [19] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت