فهرس الكتاب

الصفحة 19229 من 23694

ومهما يكن الأمر، فقد طبقت شهرة هذه الرسالة الآفاق، وجلّهم يذكر أنّها في مدح البخل وذمّ الكرم. والحقّ أنه لم يمدح بخلًا ولم يذمّ كرمًا كما أسلفت، وأغلب الظنّ أنّ ما وقّعه الحسن بن سهل على ظهر الرسالة كان من قبيل المداعبة والتندّر والظرف ليس غير، أو أنّ معرفة الناس له بالبخل، كانت مدعاةً لهذا التأويل والتهويل، وهذه عادة اجتماعية معروفة؛ فما إن يُعرف امرؤٌ بسمةٍ أخلاقية ما، حتى يُفَسَّر جُلُّ ما يصدرُ عنه وَفْقًا لهذه السِّمة، وعلى هديها. ولا نعدم من تنبّه من المحدثين إلى أنّه ذمّ السَّرَف. (12) . وبين السَّرَف والكرم بونٌ بعيد، ثم إنّ توقيع الحسن حسب رواية ابن النديم أقرب إلى الصّواب، ونصّه:"وصلت رسالتك ووقفنا على نصيحتك، وقد جعلنا المكافأة عنها القبول منك والتصديق لك والسّلام" (13) ، وهو ما ينطبق مع مضمون الرسالة، فلم يمدح ما ذمّه الله، ولا حسّن ما قبّح. كذلك فإن مفهوم البخل في العصر العباسي يختلف عنه في عصرٍ سابق، نتيجة تطوّر الحياة الاجتماعية وتعقّدها، يقول مصطفى ناصف:"إذا تأملنا قصص الجاحظ وجدنا كلمة البخلاء تطلق على شيء لا علاقة له بالعُرف البدويّ القديم. كلمة البخل في كتاب الجاحظ ربّما تعني قواعد التعامل في المدينة ومفارقاتها كان الكريم في المدينة ينفقُ من مال غيره، أو يضع الإنفاق في موضع الدعاية والسلطة، أو يحبّ أن يقال عنه إنّه بدويٌّ أصيل. كانت عبارة الكرم أو الشجاعة قد فقدت بعض ارتباطها بالنجدة والإغاثة والتضحية، ومع ذلك فقد خُيّل لنا أنّ كلماتٍ كثيرة بقيت على حالها، وقد حدّثنا الجاحظ أن الناس يختلفون في مدلولات الكلمات وأنّ البخلاء سَمَّوا البخل إصلاحًا، والشُّحَّ اقتصادًا، وحاموا على المنع وسمّوه الحزم" (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت