ومن المحقق أن سهلًا كتب هذا النوع من الرسائل بين يدي هارون الرشيد خاصة، بعد نكبة البرامكة (187ه) وتحوّل سهل إليه (27) ، إلاّ أنّ ما يؤسف له أن رسائله في هذا الباب لم تصل إلينا -فيما أعلم- إلاّ أنّ كتابه:"النمر والثعلب"ضمّ بين دَفَّتيه بضع رسائل، متبادلة بين شخصيات قصّته الرئيسة النمر - الملك - الذئب - الوالي المتمرّد، وتعدّ رسائله هذه نموذجًا للرسائل الديوانية، التي كان يُدَبِّجُها سهلٌ في الدواوين. وصحيحٌ أنّها على لسان الحيوان، لكنّها شخصياتٌ رامزة لأخرى حقيقية تتقنّع وراءها، ثم إنها في عواطفها وميولها ورغباتها وأفكارها إنسانية، فالنمر يرمز إلى الخليفة الشرعيّ، والذئب يُمثّل كلّ والٍ متمرّدٍ جاحد، خارج على طاعة هذا الخليفة، ويمثل الثعلب الوزير الكاتب الناصح والمشير. ورسائل سهلٍ هذه في الذروة من البلاغة والبيان الرفيع، وموضوعها سياسيّ صِرْف؛ إذ إنّ مضمونها يمثّل حوارًا سياسيًّا حادًَّا، بين النمر (الملك) والذئب (الوالي المتمرّد) ، كلّ يُدلي بحجَّته، وتتفرّع في معانيها وأغراضها إلى رسائل في التوبيخ والتقريع، أو التهديد والإنذار، أو الاعتذار والاستعطاف، أو تكون ذات صبغة عسكرية، حين تنشب المعارك بين الطرفين، وهي لا تمتلك قيمة تاريخية كالرسائل السياسية الحقّة، بقدر ما تتمتع بقيمة أدبية فنية عالية.
ثانيًا- التفكير والتصوير في رسائله:
تتجلّى في رسائل سهل بن هارون، كما في سائر نثره غزارة أفكاره، وعمق معانيه، ودقّة تصويره، وإعمال الخيال فيه، تسعفه في ذلك مقدرة بلاغية عالية، ومهارة بيانية راقية، وثقافة موسوعية، تنثال على فكره أشتات المعاني والصور، فيصوغها في قالب فنيّ بديع، وأسلوبٍ أدبيّ باهر، يبالغ في تدبيجه وتنميقه، حتى يصل إلى الغاية منه.